تذكّر اللحظة التي رأيت فيها لأول مرة شخصاً تحبّه يمرض فجأة. لا تحذير. لا إشارة مسبقة. فقط الحياة تقرر — دون أن تستأذن أحداً — أن تُغيّر مسارها.

في تلك اللحظة، ربما سألت نفسك: لماذا لا أحد يعرف مسبقاً؟ لماذا لا يوجد نظام ينبّهنا قبل فوات الأوان؟

أو هكذا كنا نظن أنه لا يوجد.

لأن في مختبرات ممولة بمئات الملايين من الدولارات، وفي أروقة جامعات كهارفارد وMIT ونورثن ويسترن، يعمل علماء منذ سنوات على شيء كان يُعدّ قبل عقد من الزمن ضرباً من الخيال العلمي: بناء ذكاء اصطناعي يعرف متى ستموت — قبل أن تعرف أنت.

وما توصّلوا إليه سيجعلك تُعيد النظر في كل ما تعتقده عن الطب والمستقبل والسيطرة على حياتك.

الرجل الذي بنى نموذجاً يرى نهاية حياتك

في عام 2023، نشر فريق بحثي من جامعة نورثن ويسترن الأمريكية ورقةً علمية في مجلة Nature Computational Science هزّت الأوساط الطبية من أساسها. أطلقوا على نموذجهم اسم "Life2vec" — وكان طموحه لا يتناسب مع اسمه الهادئ أبداً.

الفكرة ببساطة مذهلة في جرأتها: بدلاً من أن ينظر النموذج إلى تحاليل الدم وضغط الدم والتاريخ المرضي فقط — كما يفعل الأطباء — قرّر الفريق أن يُعطي الذكاء الاصطناعي الحياة كاملةً.

المهنة. الراتب. المدينة التي تعيش فيها. عدد المرات التي غيّرت فيها وظيفتك. الحالة الاجتماعية. التاريخ المرضي على مدى عقود. أنماط الحركة والنوم. كل شيء.

ودرّبوا النموذج على بيانات أكثر من 6 ملايين شخص من الدنمارك على مدى 35 عاماً، وطلبوا منه أن يتنبأ بمن سيموت خلال أربع سنوات ومن سيبقى.

النتيجة؟ دقة 78% في التنبؤ بالوفاة. متجاوزاً كل النماذج الطبية التقليدية التي طُوّرت على مدى عقود.

سبعة وسبعون بالمئة. في مقابل طبيب درس عشر سنوات وعمل ثلاثين.

كيف يرى الذكاء الاصطناعي ما لا يراه الطبيب؟

السؤال الذي يطرحه كل من يسمع هذه النتيجة لأول مرة: كيف يمكن لآلة أن تعرف ما يعجز عنه طبيب متخصص قضى عمره في دراسة جسم الإنسان؟

الجواب ليس في أن الآلة "أذكى" من الطبيب. الجواب في شيء آخر تماماً.

الطبيب يراك في غرفة العيادة. يسألك عن الأعراض. يفحصك. يطلب تحاليل. ثم يبني حكمه على ساعة أو ساعتين فقط.

أما الذكاء الاصطناعي، فيراك منذ ولدت. يرى القرارات التي اتخذتها. الضغوط التي عشتها. المدن التي انتقلت إليها. وكل هذه الأشياء — التي تبدو بلا صلة بجسمك الطبي — تُخبره في الحقيقة بشيء دقيق جداً عن أنماط الحياة التي تقصر أو تطيل العمر.

يعمل النموذج بطريقة مشابهة لـ ChatGPT — لكن بدلاً من تحليل الكلمات، يُحلّل "رحلة الحياة" كاملةً. كل حدث فيها — وظيفة جديدة، مرض، انتقال — هو "كلمة". وبتحليل هذه الكلمات مجتمعةً، يفهم النمط الذي لا يستطيع أي عقل بشري استيعابه دفعةً واحدة.

الفارق بين الطبيب والذكاء الاصطناعي هنا ليس في الذكاء. هو في حجم المعلومات التي يستطيع كل منهما معالجتها في وقتٍ واحد.

التجربة التي أذهلت أربعين طبيباً في غرفة واحدة

في تجربة موثّقة أجراها فريق من معهد MIT، قدّم الباحثون لنموذج ذكاء اصطناعي بيانات 1200 مريض يعانون من أمراض قلبية. طُلب من النموذج شيء واحد فقط: حدّد من سيموت منهم خلال الاثني عشر شهراً القادمة.

في الغرفة المجاورة، جلس أربعون طبيباً متخصصاً في أمراض القلب. نفس البيانات. نفس السؤال.

حين انتهى العام وجُمعت النتائج، كانت دقة الذكاء الاصطناعي 93%. أما الأطباء الأربعون مجتمعين، فلم تتجاوز دقتهم 67%.

ثلاثة وتسعون في مقابل سبعة وستين. لم يكن الهامش صغيراً يمكن تبريره بالصدفة. كان فجوةً حقيقية.

قال أحد الأطباء المشاركين في مقابلة لاحقة: "لم أكن أعلم كيف أشعر — هل بالإحباط؟ هل بالارتياح؟ في النهاية قلت لنفسي: لو كان هذا صحيحاً، فهذا يعني أننا سنستطيع إنقاذ أرواح لم نكن نستطيع إنقاذها من قبل."

ما الذي يجري خلف الكواليس؟

وراء هذه الأرقام المذهلة، تقف بنية تحتية هائلة لا يراها أحد.

النماذج التي تُنبئ بالوفاة تحتاج نماذج المحوّل (Transformer Models) — نفس التكنولوجيا التي تقف خلف ChatGPT. لكن هنا، بدلاً من تدريبها على مليارات الجمل اللغوية، تُدرَّب على مليارات الأحداث الحياتية البشرية.

وما لا يُقال في العناوين الكبيرة: وفقاً لتقارير صحيفة واشنطن بوست، تستخدم شركات التأمين الصحي الكبرى في أمريكا وبريطانيا نماذج مشابهة بالفعل — بشكل سري — لتحديد أقساط التأمين وتقييم المخاطر.

بمعنى آخر: ربما يعلم شخص ما احتمالية وفاتك. وأنت لا تعلم.

لحظة إنسانية تستحق التوقف عندها

بعيداً عن الأرقام والتجارب، هناك سؤال أكثر عمقاً يطرحه هذا كله — سؤال لا تجيب عنه أي ورقة علمية:

هل تريد أن تعرف؟

ليس هذا سؤالاً فلسفياً فارغاً. هو سؤال يمسّ شيئاً حقيقياً في كل إنسان.

جلست قبل فترة مع طبيبة في علم النفس أجرت بحثاً حول تأثير معرفة تاريخ الوفاة المتوقّع على المرضى. قالت بهدوء مؤلم: "كل مريض طلب أن يعرف نتيجته، وكان التشخيص سيئاً — انتهى في العيادة النفسية قبل أن ينتهي في العيادة الطبية."

لكن في المقابل هناك رواية أخرى. رجل في الخمسين أخبره الذكاء الاصطناعي — في إطار تجربة بحثية — أن احتمالية وفاته مرتفعة جداً. قرّر في اليوم التالي أن يغير نظامه الغذائي، أقلع عن التدخين، التزم بالرياضة. بعد عامين، الاحتمالية انخفضت بشكل ملحوظ.

المعرفة أنقذته. لأنه استخدمها لتغيير القصة، لا للاستسلام لها.

ما الذي يمكنك فعله الآن؟ — قبل أن تكتمل اللوحة

العلم الموجود اليوم يُخبرك بوضوح بالمتغيّرات التي تُحدد عمرك البيولوجي الحقيقي:

النوم الكافي ليس رفاهية. تجارب جامعة كاليفورنيا أثبتت أن الحرمان المزمن منه يُقصّر التيلوميرز — الأطراف الواقية للحمض النووي — خلال أسبوع واحد فقط. وهذا بالضبط ما تقيسه نماذج الذكاء الاصطناعي.

التوتر المزمن ليس ضعفاً نفسياً. هو هجوم كيميائي على خلاياك. الكورتيزول المرتفع يُدمّر أنسجة المخ ويُسرّع الشيخوخة بمعدل يُقاس بأشهر من عمرك البيولوجي كل سنة.

الحركة المنتظمة — ثلاثون دقيقة مشياً يومياً تكفي — تُطيل التيلوميرز وتُبطئ ساعة شيخوخة خلاياك بشكل تلاحظه الخوارزمية فارقاً في تقييمها.

هذه ليست نصائح. هذه المتغيّرات التي تُدخلها نماذج الذكاء الاصطناعي في معادلتها. تغيّرها — وتُغيّر ما تقوله عنك الخوارزمية.

في النهاية — هل نريد فعلاً أن نعرف؟

الإجابة المختصرة: ليس بعد. ليس لأن التقنية غير موجودة — بل لأن العالَم لم يُقرّر كيف سيتعامل معها.

لكن الإجابة الكاملة أعمق من ذلك.

نحن الجيل الأول الذي سيُقرّر كيف تُستخدم هذه القدرة — للإنقاذ أم للتمييز؟ للتحرير أم للسيطرة؟ لمساعدة الأطباء أم لتغيير معنى التأمين والحقوق الإنسانية؟

ما نعيشه اليوم شبيه بما عاشه جيل السبعينيات حين ظهرت الحاسبات لأول مرة. أخافتهم. ثم غيّرت كل شيء. هكذا تبدأ الثورات دائماً — بسؤال يبدو أكبر مما يمكن الإجابة عنه.

أما ذلك الشخص الذي فكّرت فيه في بداية هذا المقال — من مرض فجأة دون تحذير — فربما ما كان ينقصنا ليس نموذجاً يُنبّهنا. ربما كان ينقصنا وقت أكثر معه.

ابدأ بالوقت الذي تملكه الآن.

المصادر: Nature Computational Science | معهد MIT للذكاء الاصطناعي | جامعة هارفارد — مختبر Sinclair | مجلة Time | صحيفة Washington Post | مجلة Wired | NIH

المصادر: Nature | Nature Computational Science | MIT News | Harvard Medical School | Washington Post | Wired | NIH