كيف طاردت دولة بأكملها أخطر رجل في العالم وأعظم عمليات القبض في التاريخ
في أوج قوته، كان بابلو إسكوبار يملك ما لا تملكه دول.
كان يُسيطر على ثمانين بالمئة من الكوكايين الذي يتدفق إلى الولايات المتحدة والعالم. كانت ثروته تُقدَّر بثلاثين مليار دولار — جعلت مجلة فوربس تُدرجه في قائمة أثرى سبعة رجال في العالم عام 1989. كان يملك طائرات خاصة وغواصات ومزارع شاسعة وبيوتاً في أرجاء كولومبيا. وكانت له جيوش من الحراس والمخبرين تمتد في كل مدينة وكل حي.
وكان في الوقت نفسه رجلاً يُفجّر طائرات مدنية في الهواء، ويأمر باغتيال مرشحي الرئاسة، ويُفخّخ مباني الحكومة، ويُهدد القضاة والصحفيين والوزراء بخيار صريح: الفضة أو الرصاص. إما تأخذ الرشوة وتصمت، وإما تأخذ الرصاصة.
حين أعلنت الحكومة الكولومبية الحرب عليه رسمياً، وانضم إليها أجهزة الاستخبارات الأمريكية وعلى رأسها وكالة مكافحة المخدرات DEA ووكالة الاستخبارات المركزية CIA — لم يكن أحد يعلم أن هذه المطاردة ستمتد لسنوات، وستمر بمنعطفات لم يتخيلها أحد.
هذه قصة أكبر عملية صيد مجرم في التاريخ الحديث.
من أين جاء هذا الرجل؟
وُلد بابلو إميليو إسكوبار غافيريا في الأول من ديسمبر عام 1949 في مدينة ريونيغرو القريبة من مدييين — المدينة التي ستُصبح عاصمة إمبراطوريته ومسرح نهايته معاً.
نشأ في بيئة متواضعة، وكانت الجريمة بوابته الأولى — بدأ صغيراً بسرقة الشاحنات، ثم انتقل إلى تهريب السجائر، ثم وجد نفسه أمام مادة تُدرّ ما لا تُدرّه أي تجارة أخرى في الأرض: الكوكايين.
في أواخر السبعينيات، أسّس كارتيل مدييين بشراكة مع عدد من تجار المخدرات. وخلال سنوات قليلة، تحوّل من مهرّب محلي إلى أقوى رجل في قطاع المخدرات العالمي — يُدير شبكة توزيع تمتد من مزارع الكوكا في جبال الأنديز إلى شوارع ميامي ونيويورك وباريس.
كان إسكوبار يفهم شيئاً لا يفهمه كثير من المجرمين: أن القوة الحقيقية لا تُبنى بالمال والسلاح فحسب، بل بالولاء الشعبي أيضاً. أنشأ ملاعب كرة قدم في أحياء الفقراء في مدييين. بنى منازل لعائلات لا مأوى لها. وزّع المال في الأحياء الفقيرة ليُصبح في عيون كثيرين "الرجل الذي يساعد الناس" — وهي صورة روّجها بعناية مدروسة وهي الصورة ذاتها التي ستُعقّد مطاردته لاحقاً، لأن آلاف العيون في تلك الأحياء كانت تحرسه.
الحرب التي أشعلها بنفسه
في عام 1989، بلغت حدة المواجهة بين إسكوبار والدولة الكولومبية ذروتها.
في نوفمبر من تلك السنة، أسقطت قنبلة وُضعت في طائرة أفيانكا الرحلة 203 فوق الأراضي الكولومبية — مئة وسبعة أشخاص لقوا حتفهم. كان إسكوبار يستهدف مسؤولاً حكومياً كان من المقرر أن يكون على متن الطائرة — لكنه لم يكن هناك. والمئة والسبعة ماتوا لمجرد أنهم كانوا في المقاعد المحيطة.
في ديسمبر من العام ذاته، فجّر سيارة مفخخة ضخمة أمام مبنى جهاز الأمن الكولومبي DAS في بوغوتا — سبعة وخمسون قتيلاً وأكثر من ألف جريح.
أعلن الرئيس الكولومبي الحرب الكاملة على كارتيل مدييين. وطلبت الحكومة مساعدة الولايات المتحدة. وبدأت المطاردة الكبرى.
لكن إسكوبار لم يكن خائفاً. كان يعتقد — بما يُقرب من اليقين — أنه لا يمكن إمساكه. كان لديه مخبرون في الشرطة والجيش والحكومة. كان يعرف خطوات المطاردين قبل أن يُنفّذوها في أحيان كثيرة. وكان قد بنى على مدى سنوات شبكة من المخابئ والأوكار في أرجاء كولومبيا يصعب حصرها.
بدأ يُصعّد ردّه على المطاردة بطريقة لم تتوقعها الحكومة: أعلن أنه سيُنفّذ عمليات خطف وقتل لعائلات الشخصيات الحكومية ما لم تتوقف الحرب عليه. وبدأ فعلاً تنفيذ تهديداته — عمليات اختطاف وتصفية طالت أبناء مسؤولين وصحفيين وقضاة.
كانت كولومبيا تعيش حالة من الرعب الجماعي لم تعرفها من قبل.
المفاجأة — إسكوبار يُسلّم نفسه
في يونيو 1991، صدم إسكوبار العالم بقرار لم يتوقعه أحد: أعلن استعداده للاستسلام وتسليم نفسه للسلطات الكولومبية — بشروطه هو.
وما كانت تلك الشروط؟
أن يُسجن في منشأة احتجاز يختارها هو، ويُشرف على بنائها وتجهيزها بنفسه، وأن تكون حراستها الخارجية من عناصر الدولة لكن الأمن الداخلي من حراسه الخاصة. وأن تكون على أرض كولومبيا — وهو شرط كان مرتبطاً بخوفه الأكبر: التسليم للولايات المتحدة التي كانت تطالب بتسليمه.
وافقت الحكومة الكولومبية — في قرار أثار موجة انتقادات لا تزال تتردد حتى اليوم.
ما بُني على تلة في جبال الأنديز كان في حقيقته شيئاً يصعب وصفه بالسجن: غرف فاخرة، ملعب كرة قدم، حانة خاصة، جكوزي، قاعة بلياردو، وإمكانية زيارة من شاء متى شاء. زارته عائلته ورجاله بلا قيود فعلية. وكان يُدير عمليات الكارتيل من داخل "سجنه" كما لو أنه لا يزال حراً طليقاً.
سمّاه الكولومبيون الساخطون "لا كاتيدرال" — الكاتدرائية. وسمّاه الصحفيون الدوليون "فندق إسكوبار."
أمضى فيه أربعة عشر شهراً — قبل أن تنقلب الأمور.
الهرب من "السجن" — وبداية المطاردة الحقيقية
في يوليو 1992، حين قررت الحكومة الكولومبية — تحت ضغط دولي هائل — نقل إسكوبار إلى منشأة احتجاز حقيقية، اكتشف الجنود الذين جاؤوا لتنفيذ أمر النقل أن الطائر قد طار.
هرب إسكوبار من "سجنه" مع عدد من مرافقيه ببساطة تامة — عبر جدار خلفي يُطلّ على الغابة. ويقول بعض المحللين إنه خرج وهو يعرف أن الحكومة قادمة، لأن له مخبرين داخل دوائر القرار.
بدأت من تلك اللحظة أربعمئة وتسعة وتسعون يوماً من أضخم عمليات المطاردة في التاريخ الحديث.
شكّلت الحكومة الكولومبية وحدة خاصة سُميت "بلوك دي بوسكيدا" — كتلة البحث. ضمّت ستمئة وستة وخمسين ضابطاً وعنصراً مدرّبين تحديداً لهذه المهمة. عملت بالتنسيق الكامل مع الـ DEA الأمريكية، ووحدة تقنية استخباراتية أمريكية متخصصة في تحديد مواقع الأشخاص عبر تتبع الاتصالات الهاتفية.
وانضم إلى المعادلة طرف ثالث لم يكن رسمياً: مجموعة مسلحة سمّت نفسها "لوس بيبيس" — الناس المضطهدون من إسكوبار. كانت تضم أعداءه ومنافسيه السابقين وعائلات ضحاياه — وكانت تشنّ حربها الخاصة عليه بأساليب لا تلتزم بأي قانون.
إسكوبار كان يتنقل بين المخابئ المُعدّة سلفاً في مدييين ومحيطها. كان يعرف أن الخروج من كولومبيا شبه مستحيل — كل منفذ كان مراقباً. فاختار البقاء في الأرض التي يعرفها، بين الناس الذين يحميه بعضهم.
سلاحه الأخير — الهاتف
طوال سنوات الهروب، كان إسكوبار يرتكب خطأً واحداً متكرراً لم يستطع مقاومته: كان يتصل بعائلته.
كان يعلم نظرياً أن الاتصالات تُراقَب. لكن الرجل الذي لا يُخاف — كما بدا دائماً — كان يملك ضعفاً إنسانياً واحداً حقيقياً: ابنه خوان وزوجته ماريا فيكتوريا. لم يستطع قطع الاتصال بهم لفترات طويلة.
وهذا بالضبط ما بنى عليه الفريق الأمريكي الاستخباراتي المتعاون مع كتلة البحث خطته.
نشر الفريق الأمريكي — المعروف بـ"فيلق ديلتا الإشاري" — معدات تتبع متطورة قادرة على رصد مصدر أي إشارة لاسلكية أو هاتفية في نطاق جغرافي واسع. المعدة يمكنها تحديد موقع الإشارة في غضون دقائق إذا استمر الاتصال طويلاً بما يكفي.
كانت عائلة إسكوبار قد انتقلت إلى مخبأ في أحد مناطق مدييين. وفي الأشهر الأخيرة من المطاردة، كان إسكوبار يتصل بهم بشكل شبه يومي — وكان الفريق التقني يُضيّق دائرة التتبع كلما جرى اتصال.
وفي الثاني من ديسمبر 1993 — اليوم الذي يلي عيد ميلاده الرابع والأربعين بيوم واحد — كان إسكوبار يتحدث مع عائلته عبر الهاتف اللاسلكي من منزل في حي لوس أوليفوس بمدييين. استمر الاتصال دقيقة وعشرين ثانية — أطول قليلاً مما اعتاد.
كان كافياً.
يوم الثاني من ديسمبر — النهاية فوق السطح
حدّد الفريق التقني موقع الإشارة في منطقة لوس أوليفوس. أُبلغت كتلة البحث. وتحركت الوحدات في الحال.
طوّقت الشرطة المبنى المحدد. بدأت عملية الاقتحام. وحين دخل العناصر إلى المبنى، فرّ إسكوبار عبر نافذة خلفية إلى السطح المجاور.
جرت مطاردة قصيرة فوق أسطح المباني المتجاورة. أُطلقت طلقات. وحين توقفت، كان بابلو إسكوبار مُلقىً على أحد تلك الأسطح.
أُصيب بعدة رصاصات — إحداها في الرأس. وإن كانت الرواية الرسمية تقول إنه مات بطلق من الشرطة، فإن رواية أخرى ظلّت حاضرة لسنوات تقول إن الطلقة التي أنهت حياته كانت من يده هو — وأنه أطلق على نفسه ليتحاشى الوقوع في الأسر. ولم يُحسم هذا الجدل رسمياً حتى اليوم.
اتصل العناصر بمركز القيادة بالخبر. وحين وصل الخبر إلى الرئيس الكولومبي — قيل إنه صُدم في البداية ثم بكى. ليس من الحزن — بل من الارتياح.
في الشوارع، انفجرت الاحتفالات في بعض المناطق. وفي أحياء الفقراء في مدييين التي أحبّته — صمت ثقيل وبكاء.
ما بعد إسكوبار — الإرث الملتبس
موت إسكوبار لم يُنهِ تجارة الكوكايين. لكنه أنهى حقبة بعينها — حقبة الرجل الواحد الذي يُمسك بخيوط إمبراطورية كاملة بيديه.
تشتّت كارتيل مدييين بعد وفاته. لكن الفراغ الذي تركه ملأه آخرون — أبرزهم كارتيل كالي الذي صعد نجمه بسرعة، وكان قد أسهم بشكل سري في المعلومات التي ساعدت على تحديد مكان إسكوبار في مراحل المطاردة.
وكولومبيا نفسها وجدت أن انتهاء عصر إسكوبار فتح أمامها طريقاً طويلاً نحو الاستقرار — طريق يستغرق عقوداً ولم يكتمل بعد — لكن مجرد انتهاء ذلك الكابوس كان نقطة تحوّل حقيقية في التاريخ الكولومبي الحديث.
أما على الصعيد الإنساني، فقد ترك إسكوبار إرثاً ملتبساً يصعب تصنيفه بخط أحادي.
في مدييين، لا يزال بعض كبار السن يتذكرونه بعاطفة — الرجل الذي بنى لهم المنازل وأطعم أبناءهم حين كانت الدولة غائبة. وفي الوقت نفسه، آلاف العائلات فقدت أبناءها وآباءها وأمهاتها بأوامره المباشرة أو غير المباشرة — وهذا الألم لا يُمحى بذكريات الملاعب والمال الموزّع.
الصحفيون والمحللون يُشيرون إلى أن هذا التناقض ليس كولومبياً خاصاً — بل هو ظاهرة تتكرر مع كل زعيم يبني قوته على مزيج من العنف والكرم الانتهازي. الكرم يُنسى حين تُحصى الجثث. والجثث لا تُحصى كاملاً حين تقف الذاكرة عند صورة الرجل الذي بنى الملاعب.
لماذا تظل هذه المطاردة الأكبر في التاريخ؟
قضايا مطاردة كثيرة سبقت إسكوبار ولحقت به. لكن ما يجعل قصته تختلف نوعياً هو حجم الفجوة بين قوة الصياد وقوة الفريسة.
لم تكن دولة تطارد فرداً — بل كانت دولة تطارد ما يشبه دولة أخرى موازية. رجل واحد كان يملك استخبارات أوسع من بعض الحكومات، وجيشاً من المسلحين الموالين له، وشبكة مخبرين تخترق أعلى مستويات المؤسسة الرسمية، وثروة كان يمكنه فيها شراء ولاءات بلا حدود.
وما أسقطه في النهاية لم يكن البطولة وحدها — بل كان مزيجاً من التكنولوجيا، والتعاون الدولي، والأعداء الذين خرجوا من صفوف حلفائه الأمس، وضعف إنساني واحد لم يستطع التغلب عليه: حبّه لعائلته.
وهذه المفارقة الأخيرة ربما هي الأكثر بلاغة في القصة كلها. الرجل الذي لم يخف من الدول ولم يرهبه الجيش ولم تُوقفه الأحكام القضائية — أُمسك به في اللحظة التي لم يستطع فيها مقاومة الرغبة في سماع صوت ابنه.
أربعمئة وتسعة وتسعون يوماً من المطاردة. ودقيقة وعشرون ثانية على الهاتف.
كانت كافية.
المصادر: Mark Bowden — Killing Pablo (2001) | Juan Pablo Escobar — Pablo Escobar: My Father (2014) | وثائق DEA المُفرج عنها | شهادات أعضاء بلوك دي بوسكيدا أمام الكونغرس الكولومبي | وثيقة CIA: Operation Heavy Shadow (رُفعت سريتها 2008)










































تعليقات
إرسال تعليق