الرجل الذي كان يصطاد الجواسيس بينما هو أخطرهم — قصة روبرت هانسن
في عام 2001، دفع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي مبلغاً لا يُعرف رقمه الدقيق لضابط استخبارات روسي سابق — مقابل ملف واحد.
ذلك الملف كشف هوية الجاسوس الأخطر الذي نخر جسد الأمن القومي الأمريكي طوال اثنين وعشرين عاماً.
الصدمة لم تكن في حجم الخيانة وحدها. كانت في هوية الخائن: رجل يعمل داخل FBI نفسه. في القسم المكلّف تحديداً بمكافحة التجسس السوفيتي. رجل متديّن، يقرأ التوراة، يُعلّم الأطفال في كنيسته كل أحد.
اسمه روبرت هانسن. والقصة التي سأرويها لك هي أحد أكثر قصص الخيانة إرباكاً للعقل في التاريخ الحديث.
بداية لا تنبئ بشيء — أو هكذا بدت
وُلد روبرت هانسن عام 1944 في مدينة شيكاغو لأب كان ضابطاً في الشرطة. علاقته بأبيه لم تكن طيبة — الأب كان قسوياً، يُصغّر من شأنه باستمرار.
درس هانسن طب الأسنان ثم تحوّل للمحاسبة. انضم إلى شرطة شيكاغو عام 1970، ثم قرر الانتقال إلى FBI عام 1976 — المؤسسة التي يرى فيها الأمريكيون رمزاً للنظام والأمن والولاء.
في 1979، وبعد ثلاث سنوات فقط من انضمامه، اتصل بالاستخبارات العسكرية السوفيتية — المعروفة بـGRU — وعرض عليهم بيع معلومات.
لم يكن مُكرهاً. لم يكن يعاني ضائقة مالية. ولم تكن له أيديولوجيا شيوعية. حين سُئل عن دوافعه، قال إجابة باردة لا تزال تُقلق المحققين: "أردت فعل شيء يُثبت أنني أذكى من الجميع."
الكنيسة والخيانة — في حياة رجل واحد
ما يجعل قصة هانسن أكثر إزعاجاً من أي قصة تجسس أخرى هو ذلك التناقض الصارخ الذي عاش داخله طوال عقود.
كان هانسن كاثوليكياً متشدداً، عضواً في منظمة Opus Dei. كان يحضر القداس يومياً. كان يُعلّم الأطفال الدروس الدينية في كنيسته كل أحد. ويُصلّي الروزاريو مع زوجته كل ليلة.
وفي الوقت ذاته، كان يُسلّم حزم الوثائق السرية إلى الاستخبارات السوفيتية في عمليات تبادل خفية داخل الحدائق العامة.
مرة واحدة اقتربت زوجته بوني من اكتشافه — وجدته يكتب رسالة موجهة لأجانب. واجهته. أجابها ببرود: "أعطيهم معلومات مضللة. إنها خدعة استخباراتية." صدّقته. وفي اليوم التالي، ذهبا معاً إلى الاعتراف أمام الكاهن.
واصل هانسن عمله بعد ذلك سنوات طويلة.
ما الذي باعه؟ — والثمن كان الأرواح
أولاً — أسماء عملاء مزدوجين: كشف للروس هوية مسؤولين سوفيت كانوا يعملون سراً لصالح الاستخبارات الأمريكية والبريطانية. ثلاثة منهم اعتُقلوا وأُعدموا. كانوا بشراً حقيقيين، خاطروا بحياتهم من أجل الغرب — فخانهم الرجل الذي كان المفترض أن يحميهم.
ثانياً — خطة الحرب النووية الأمريكية: سرّب تفاصيل عن خطة الولايات المتحدة للحرب النووية، بما فيها المواقع التي ستستهدفها الصواريخ أولاً.
ثالثاً — النفق السري: أخبر الروس أن FBI حفرت نفقاً سرياً تحت السفارة السوفيتية في واشنطن لاعتراض اتصالاتهم. المشروع كلّف ملايين الدولارات — وأصبح عديم القيمة في اللحظة التي عرف فيها الروس.
في المقابل، تلقّى هانسن خلال اثنين وعشرين عاماً ما يزيد على مليون وأربعمئة ألف دولار — نقداً وألماساً.
قواعد لعبة لا يُخطئ فيها
ما ميّز هانسن عن معظم الجواسيس هو حذره الذي بلغ حدّ العبقرية في عالم الخيانة.
وضع لنفسه قاعدة صارمة واحدة لم يتخلَّ عنها قط: لن يلتقي بأحد من الروس وجهاً لوجه أبداً.
كل تبادل كان يتم عبر نظام "النقطة الميتة": كان يضع الوثائق في حقيبة مخفية تحت جسر أو خلف لوحة في حديقة عامة. لا مواجهة. لا أدلة بصرية. لا شهود.
ذهب أبعد من ذلك: لم يُخبر الروس باسمه الحقيقي قط. تعامل معهم باسم مستعار: "راموند غارسيا". لم يسمح لهم أبداً بتصويره أو تسجيل صوته.
كان يعرف — لأنه كان يعمل في المكافحة — كيف يفكر FBI في كشف الجواسيس. لأنه هو من كان يقرأ تلك التقارير كل يوم. هذا الحذر هو ما حماه اثنين وعشرين عاماً دون أن يُثير شكاً جدياً واحداً.
كيف اكتُشف — والإجابة تُحرج FBI
لا تتوقع أن القصة انتهت بعبقرية استخباراتية أمريكية.
انتهت بـرجل روسي يبيع ملفاً.
في عام 2000، تواصل ضابط استخبارات روسي سابق مع FBI وعرض عليهم ملفاً من داخل أرشيف الاستخبارات الروسية — بما فيه بصمات أصابع الجاسوس الأمريكي الذي عمل لصالح موسكو لعقود.
حين طابقوا البصمات — وجدوا اسماً واحداً: روبرت هانسن.
الرجل الذي لم يكتشفه FBI باستخبارات أمريكية — بل اشتروا فضيحته من الروس بأنفسهم.
الحديقة، الحقيبة، والأصفاد
في الثامن عشر من فبراير 2001، توجّه هانسن إلى حديقة فوكستون في مدينة فيينا بولاية فيرجينيا — كما فعل عشرات المرات من قبل.
وضع الحقيبة في موضعها المعتاد تحت الجسر.
وحين رفع رأسه، وجد أمامه عملاء FBI.
اعتُقل دون مقاومة. اعترف بكل شيء مقابل تجنّب حكم الإعدام. صدر بحقه حكم بـالسجن مدى الحياة دون أي إمكانية للإفراج. ومات في زنزانته في الخامس من يونيو 2023.
ما الذي تقوله قصته عن الثقة؟
حين انتشر خبر اعتقاله، وصفه المسؤولون بـ"أشد جاسوس ضرراً في تاريخ الاستخبارات الأمريكية".
لكن السؤال الأصعب لم يكن "ماذا باع؟" — بل كان: "كيف أمضى اثنين وعشرين عاماً دون أن يُكتشف؟"
الجواب يسكن في تفصيلة واحدة مثيرة للقلق: هانسن لم يكن ضعيفاً ولا مشبوهاً. كان موضع ثقة. كان الرجل الذي يُفترض أن يكون الأمين على الأسرار — فكان يبيعها.
الأنظمة الأمنية تحمي من الغرباء. لكنها نادراً ما تحمي من الشخص الذي منحته ثقتها الكاملة ومفاتيحها.
أخطر الخيانات لا تأتي من خارج الجدران — بل من داخل الكراسي التي نثق بأصحابها دون أن نسألهم.
روبرت هانسن لم يكن وحشاً بمظهر الوحش. كان رجلاً عادياً بمظهر البرّ والتقوى، يؤدي فريضة الاعتراف كل أسبوع — وفي يده ملفات لم ينهِ بعد من بيعها.
المصادر: David Wise — Spy: The Inside Story of How the FBI's Robert Hanssen Betrayed America (2002) | وثائق وزارة العدل الأمريكية | The Washington Post | CNN Archives






تعليقات
إرسال تعليق