الرجل الذي بنى فندقاً كاملاً لاستقبال ضيوفه ثم ذبحهم في قبوه | التصنيف: أسرار-جرائم
في عام 1893، فتحت مدينة شيكاغو أبوابها أمام العالم.
كان المعرض العالمي — المعروف بـ"المدينة البيضاء" — أضخم حدث على وجه الأرض في تلك الحقبة. سبعة وعشرون مليون زائر قدموا من كل أصقاع الكوكب ليروا أعاجيب القرن الجديد: الكهرباء، عجلة فيريس، وتقنيات لم يكن الناس يتخيلون وجودها. كانت شيكاغو تبدو وكأن المستقبل يبدأ من شوارعها.
وعلى بُعد أقل من ميل من بوابات المعرض، كانت بناية من ثلاثة طوابق تنتظر ضيوفها.
من الخارج بدت كفندق عادي — بل أنيق — يُؤجّر فيه صاحبه غرفاً للزوار القادمين من بعيد لحضور المعرض. لكن خلف جدران تلك البناية، خلف ممرات سرية وأبواب مخفية وأنابيب غاز تمتد تحت الأرضيات، كانت آلة قتل لم يشهد التاريخ الأمريكي قبلها مثيلاً.
صاحب الفندق كان يُعرّف نفسه بـالدكتور هنري هاوارد هولمز.
الاسم الحقيقي كان هيرمان ويبستر مودجيت. والحقيقة كانت أبشع مما يمكن لأي خيال أن يتصور.
الطفل الذكي الذي لم يكن ينبغي أن يكبر بهذه الطريقة
وُلد هيرمان مودجيت في السادس عشر من مايو عام 1861 في ولاية نيو هامبشير لعائلة محترمة ومتدينة. منذ طفولته كان يُشار إليه بالبنان: ذكاء خارق، ذاكرة حديدية، وقدرة على استيعاب المعلومات تفوق أقرانه بمراحل.
لكن جيرانه تذكّروا لاحقاً أشياء أخرى. تذكّروا طفلاً يُجري تجارب على الحيوانات بفضول يتخطى حدود الطفولة. تذكّروا شاباً يُعلّم أقرانه الصغار ويقودهم نحو تجارب لا يفهمون خطورتها. تذكّروا نظرةً لم تكن دافئة حين كان يبتسم.
درس الطب في جامعة ميشيغان — إحدى أعرق كليات الطب في أمريكا آنذاك — وتخرّج طبيباً عام 1884. في تلك المرحلة كانت قد ظهرت عليه بوادر ما سيكون عليه: استخدم جثث الطلاب في الكلية لتزوير وثائق تأمين بأسمائهم ثم استلام مبالغ مقابلها — وهذا قبل أن يتخرج أصلاً.
بعد التخرج، تنقّل بين عدة مدن تاركاً وراءه في كل مكان دائنين لم يُسدّد لهم، وزوجات لم يُطلّق بعضهن، وعمليات احتيال طيّها في ملفات الشرطة المحلية. كان يغيّر اسمه مع كل انتقال، ويبدأ من جديد كما لو أن الماضي لا يتبعه.
في عام 1886، وصل إلى شيكاغو. واسمه الجديد: الدكتور هنري هاوارد هولمز.
شيكاغو — المدينة التي كانت تكبر بسرعة أكثر مما تنتبه
كانت شيكاغو في تلك الحقبة مدينة تجري بسرعة تفوق قدرتها على التحقق. عشرات الآلاف يصلون كل شهر — مهاجرون، عمال، تجار، طامحون — في مدينة لم تكن أجهزتها الإدارية والأمنية قد لحقت بعد بهذا النمو الجنوني. إنسان يختفي في شيكاغو لم يكن أمراً يُثير كثيراً من الضجيج — فالمدينة كانت مليئة بالغرباء الذين لا يعرف أحد من أين جاؤوا ولا أين يذهبون.
هولمز عرف ذلك جيداً.
بدأ بالعمل صيدلانياً في متجر يملكه شريك ثم استولى عليه بطرق ملتوية. ثم اشترى قطعة أرض على الجانب الآخر من الشارع، وبدأ بناء ما سيُعرف لاحقاً بـ"قصر القتل".
البناية من الخارج كانت مبنى تجارياً عادياً: الطابق الأرضي محلات، الطابق الثاني والثالث غرف للإيجار. لكن هولمز أشرف بنفسه على كل تفصيلة في التصميم الداخلي، وكان يُغيّر المقاولين باستمرار — لا أحد منهم أكمل المشروع كاملاً، حتى لا يفهم أي فرد منهم المخطط الحقيقي للبناية.
ما بنوه — دون أن يعلموا — كان مكاناً لم يُصمَّم للإيجار.
البناية التي صُممت للقتل
حين دخل المحققون البناية لاحقاً، ما وجدوه أربكهم في البداية. ثم حين فهموا المخطط، أُصيبوا بصدمة لم يتعافَ بعضهم منها بسهولة.
الطابق الثاني — الذي كان يُؤجَّر كغرف نزلاء — كان مصمماً بطريقة تجعل بعض الغرف لا يمكن فتحها إلا من الخارج. الضيف حين يدخل غرفته يستطيع إغلاق الباب — لكنه لا يستطيع فتحه. القفل يُحكم من الخارج فقط.
داخل جدران بعض تلك الغرف كانت تمتد أنابيب الغاز — غاز يمكن تشغيله من لوحة تحكم في غرفة هولمز الخاصة. وفي الجدران ذاتها كانت فتحات سرية تُفضي إلى ممرات ضيقة يتحرك فيها هولمز وحده دون أن يراه أحد.
وعند انتهاء "العمل"، كانت ثمة شرائح معدنية في أرضية بعض الغرف تُفتح بزرّ — تُؤدي إلى شرائح انزلاق تُوصل مباشرةً إلى القبو.
في القبو كانت المرحلة الأخيرة: حوض كبير مملوء بالحمض. وفرن محرقة كبير. وطاولة تشريح. وهياكل عظمية اكتشفها المحققون لاحقاً في أرجاء القبو ومحيطه.
الترتيب كان كاملاً ومُحكماً: يدخل الضيف من الباب الرئيسي ضيفاً كريماً. يصعد إلى غرفته. يُغلق عليه الباب. ثم تبدأ الليلة التي لا صباح لها.
المعرض العالمي — وأكبر فرصة في التاريخ
حين أُعلن عن إقامة المعرض العالمي في شيكاغو عام 1893، رأى هولمز الفرصة التي طالما انتظرها.
ملايين الزوار سيتدفقون على المدينة. معظمهم قادمون من ولايات بعيدة أو من دول أخرى — لا أحد يعرفهم، ولا أحد سيسأل عنهم بسرعة إن اختفوا. الفنادق الكبيرة ستكون ممتلئة. وبنايته على بُعد ميل من البوابات الرئيسية للمعرض.
بدأ هولمز بالإعلان عن غرفه بأسعار معقولة. استقطب الزوار المنفردين، والنساء الطامحات اللواتي جئن يبحثن عن عمل في زحمة المعرض، والموظفين الذين استقدمهم هو بنفسه للعمل في المبنى بعقود وهمية.
لم يكن يستهدف الجميع. كان يختار. يتحرى. يتحدث بدفء وأناقة ويغري بوعود العمل أو الزواج أو الثروة. ثم حين يُحكم قبضته — تبدأ النهاية.
النساء كن أكثر ضحاياه. بعضهن أحبّهن أو ادّعى حبهن. بعضهن استأجرهن للعمل في صيدليته. وبعضهن كنّ مجرد غريبات قدِمن يبحثن عن سقف.
الأرقام الحقيقية لضحاياه في تلك المرحلة لا يزال المؤرخون يتجادلون حولها حتى اليوم — من تسعة وثلاثين ضحية موثقة، إلى تقديرات تتجاوز المئتين. والرقم الحقيقي ربما لن يُعرف أبداً، لأن هولمز كان يُتقن إخفاء الأثر: الحمض يذيب، والفرن يُحرق، والمدينة المزدحمة تنسى.
القبو الذي لم يكشفه أحد طوال سنوات
أحد أكثر جوانب القصة إثارةً للاستغراب هو أن هولمز أمضى سنوات في وسط شيكاغو — في بناية يتردد عليها الجيران والزبائن والموظفون — دون أن يُكشف أمره.
كيف نجح في ذلك؟
الجواب يكمن في جزأين: الشخصية والنظام.
على صعيد الشخصية، كان هولمز يملك من السحر الشخصي ما يجعل من يقابله يشعر بالارتياح الفوري. كان طبيباً محترماً، يتحدث بتعليم وثقة، ويُظهر اهتماماً صادقاً بمن أمامه. النساء وثقن به بسرعة. الرجال رأوا فيه زميلاً ناجحاً. والسلطات لم تكن تبحث عمّن يبدو هكذا.
على صعيد النظام، كان هولمز قد صمّم بناءه بحيث لا يعرف أحد العمال مجمل ما يبنيه. كل مقاول يعمل في قسم معزول، ثم يُفصل قبل إكمال عمله. وكان هولمز يدّعي دائماً لكل مقاول جديد أن سابقه كان غير أمين أو غير كفء. هكذا لم تكن هناك أي نقطة تقاطع بين شخصَين عارفَين بتفاصيل كافية لفهم الصورة الكاملة.
وحين كان أحد العمال يتساءل عن غرفة غريبة أو ممر لا يُفضي لأي مكان، كان هولمز يُجيب بمنطق هندسي بارد يُقنع المُستفسر أن ما يراه مجرد اختيار معماري غريب، لا شيء أكثر.
جيران المبنى تذكّروا لاحقاً روائح كريهة تصدر أحياناً من الجهة الخلفية. لكن في شيكاغو تلك الحقبة — مدينة صناعية مليئة بالمجازر والمصانع — كانت الروائح جزءاً من هواء المدينة، لا مؤشراً يستحق التحقيق.
كيف انكشف ما لم يكشفه أحد؟
لم تكشف قصة هولمز من خلال تحقيق جنائي دقيق. كشفت — بشكل مخجل لأجهزة الشرطة — من خلال عملية احتيال تافهة نسبياً لا علاقة لها ابتداءً بالقتل.
في عام 1894، كان هولمز قد انتقل إلى ولاية تكساس مع شريك في الأعمال اسمه بنيامين بيتزل. خططا معاً لاحتيال شركة تأمين: يتظاهر بيتزيل بموته، تُصرف قيمة التأمين، ويقتسمانها.
لكن هولمز — بالطبيعة التي لا يمكنه مقاومتها — قتل بيتزيل فعلاً بدلاً من تمثيل موته. ثم استحوذ على أبنائه الثلاثة بدعوى إيصالهم لأمهم، وقتلهم في كندا في عمليات منفصلة.
أثار اختفاء الأطفال التحقيقات. تتبّع المحققون هولمز من ولاية لولاية. واعتُقل في نوفمبر 1894 في بوسطن بتهمة الاحتيال أولاً. وحين تعمّق المحققون في ماضيه وأُجري تفتيش لبنايته في شيكاغو عام 1895، أصابهم ما وصفه أحدهم في تقريره الرسمي بـ"ما لا تستطيع اللغة وصفه بالكامل".
وجدوا غرف التعذيب. وجدوا أحواض الحمض. وجدوا الفرن الذي لم يُصمَّم لأي غرض حيادي. ووجدوا هياكل عظمية — بعضها مكتمل وبعضها مُفرَّق — في مواضع متعددة.
امتدت التحقيقات إلى كندا وعدة ولايات أمريكية. وفي كل مكان ذهب إليه هولمز كانت قصص اختفاء تنتظر تفسيراً.
بدأ هولمز الاعتراف — لكن بأسلوبه المعهود: في كل مرة يُغيّر الرواية ويُقلّل أو يُضخّم حسب ما يراه في وجه المحقق أمامه. في اعترافه الأشهر الذي نشرته جريدة فيلادلفيا إنكوايرر عام 1896، ادّعى أنه قتل سبعة وعشرين شخصاً — بعضهم أثبت المحققون لاحقاً أنهم كانوا أحياء. وبعض من لم يذكرهم ثبت لاحقاً أنهم اختفوا في فلكه.
قال المحققون إنه كان يلعب حتى في اعترافاته.
المحاكمة — والحكم الذي لم يستغرق طويلاً
جرت محاكمة هولمز في فيلادلفيا — لا في شيكاغو — لأن أقوى الأدلة المباشرة كانت مرتبطة بقتل شريكه بيتزيل وأطفاله على أراضي ولاية بنسلفانيا.
كان هولمز حتى في المحكمة ما كان دائماً: هادئاً، منطقياً، ينظر في عيني القاضي بلا ارتباك. دافع عن نفسه في أجزاء من الجلسات. قال للهيئة إن ما يُتهم به تجاوز الواقع، وإن الصحافة حوّلته إلى وحش أسطوري لأن القرن الجديد يحتاج وحوشاً أسطورية.
الهيئة لم تستغرق طويلاً في مداولاتها.
صدر حكم الإعدام.
في السابع من مايو 1896، شُنق هيرمان مودجيت المعروف بالدكتور هنري هاوارد هولمز في سجن مويامنسينغ بفيلادلفيا. طلب قبل إعدامه أن يُدفن في قبر مليء بالإسمنت — خشية أن يُشرَّح جسده بعد موته تماماً كما كان هو يُشرّح أجساد ضحاياه.
مُنح طلبه.
كان عمره أربعة وثلاثين عاماً.
ما بقي بعده — وما لم يُحسم حتى اليوم
بعد إعدامه بوقت قصير، أُحرق "قصر القتل" في حريق يُرجَّح أنه كان متعمداً — ولم يعرف أحد من أشعل النار. وكأن البناية هي الأخرى أرادت أن تأخذ أسرارها معها.
الموضع الذي قام فيه الفندق بات اليوم مكاناً اعتيادياً في شيكاغو — مبنى بريد ومتجر بيتزا. لا إشارة واضحة، ولا لوحة تذكارية. المدينة تحرص على أن لا تكون هذا النوع من الأماكن.
لكن ملف هولمز لم يُغلق تماماً حتى اليوم.
في عام 2017، طلب أحفاد هولمز رسمياً نبش قبره للتحقق مما إذا كان الجثمان المدفون هو جثمانه فعلاً — بعد شائعات تحدثت عن مدفون آخر في ذلك القبر وهروب هولمز. أثبت تحليل الحمض النووي أن الجثة هي جثة هولمز فعلاً.
لكن الرقم الحقيقي لضحاياه بقي معلقاً. بعض المحققين المتخصصين في الجريمة التاريخية يرون أن العدد قد يقترب من المئة — وهو رقم يظل بلا تأكيد لأن الحمض والنار أتقنا عملهما جيداً.
لماذا تستحق هذه القصة أن تُقرأ اليوم؟
قصة H.H. هولمز ليست مجرد حكاية من الماضي. هي في جوهرها سؤال يعود بأشكال مختلفة في كل عصر: كيف يتمكن إنسان من أن يعيش بيننا، يُصافح جيرانه ويبيع لهم الدواء ويمشي في شوارعهم، بينما هو يرتكب ما لا يتخيله عقل؟
الإجابة المزعجة — التي تكررت في كل دراسة جنائية لشخصية هولمز — هي أن ما سمح له بذلك لم يكن عبقريةً شريرةً خارقة. كان ثلاثة أشياء اعتيادية جداً: مجتمع يثق بالمظهر، ومدينة تكبر أسرع مما تنتبه، وأجهزة أمن لم تكن تتخيل أن "الدكتور المحترم" هو من تبحث عنه.
هولمز لم يكن مستحيلاً. كان مجرد حالة استثنائية لما يمكن أن يصنعه الغياب الكامل للضمير حين يُزاوج بالذكاء والجاذبية وفرصة تاريخية.
وهذا بالتحديد هو ما جعل اسمه يبقى في سجلات الجريمة الأمريكية أكثر من مئة وعشرين عاماً — ليس تمجيداً لما فعل، بل تحذيراً مما يمكن أن يحدث حين تنام الأنظمة ويتوهم المجتمع أن الخطر لا بد أن يبدو واضحاً.
في بعض الأحيان، يدق الخطر الباب بابتسامة الطبيب المحترم ويقول: غرفتك جاهزة.
المصادر: Erik Larson — The Devil in the White City (2003) | وثائق محكمة فيلادلفيا — محاكمة هولمز 1895 | Chicago Tribune Archives | اعتراف هولمز المنشور في Philadelphia Inquirer (1896) | تقارير مكتب التحقيقات الجنائية في بنسلفانيا






تعليقات
إرسال تعليق