الرجل الذي هرب من اكبر سجن في المكسيك عبر نفق حفروه تحت مرحاضه — قصة إل تشابو
في ليلة الحادي عشر من يوليو 2015، دخل خواكين غوزمان إلى الحمام الملحق بزنزانته في سجن ألتيبلانو — أكثر السجون تحصيناً في المكسيك — وأغلق الباب خلفه.
ولم يخرج منه أبداً.
حين أرسل الحراس يتفقدون الزنزانة بعد ساعة، وجدوا الفراش فارغاً، وباب الحمام مفتوحاً، وفي أرضية الحمام — تحت قاعدة الدش بالضبط — ثقب يؤدي إلى أعماق الأرض.
كان إل تشابو قد غاب. وكان أسفله نفق بطول كيلومتر ونصف، مضاء بالكهرباء، مزوّد بنظام تهوية، وتسير فيه دراجة نارية على قضبان حديدية — حُفر بالكامل دون أن يعلم أحد في السجن.
من هو إل تشابو؟ — الصبي الفقير الذي ابتلع المكسيك
وُلد خواكين أرشيفالدو غوزمان لويرا عام 1957 في قرية نائية بولاية سينالوا المكسيكية. نشأ في فقر مدقع — أبوه مزارع يزرع الأفيون جانباً، وكانت الكارتيلات هي السلطة الحقيقية في تلك الجبال.
في سن الخامسة عشرة ترك المدرسة. في العشرين كان موظفاً صغيراً في كارتيل غوادالاخارا. وفي الثلاثين، ابتكر أسلوباً لم يفكر فيه أحد قبله: الأنفاق. حفر أنفاقاً تمر تحت الحدود الأمريكية المكسيكية — بها كهرباء وتهوية وسكك حديدية — لتمرير كميات من المخدرات لم تكن تحلم بها السلطات.
ومع الوقت، أصبح كارتيل سينالوا أكبر منظمة لتهريب المخدرات في العالم. وأصبح إل تشابو — وفق قائمة فوربس — ضمن أثرى مئة شخص في العالم. واصطاده القانون أول مرة عام 1993.
الهروب الأول — من داخل النظام
عام 1993، صدر بحقه حكم بالسجن عشرين عاماً، ونُقل إلى سجن بوينتي غراندي — أشد السجون حراسةً في المكسيك وقتذاك.
قضى فيه ثماني سنوات. ثم في التاسع عشر من يناير 2001 خرج دون أن يخرج رسمياً. الرواية الرسمية قالت إنه اختبأ في عربة غسيل الملابس. لكن التحقيقات اللاحقة كشفت الحقيقة الأكثر إثارة للغثيان: لم يحتج إلى أي عربة. اشترى الحراس واحداً تلو الآخر. رشا موظفي السجن من صغار الحراس إلى المسؤولين في الإدارة، حتى صار السجن بأكمله يعمل بأوامره. وحين قرر المغادرة، فتحوا له الأبواب بأيديهم.
اختفى بعدها ثلاثة عشر عاماً، حتى القبض عليه مجدداً في فبراير 2014.
الزنزانة التي لم تحبسه — والنفق الذي لم يره أحد
بعد اعتقاله الثاني، أعلنت الحكومة المكسيكية بصوت عالٍ: هذه المرة السجن مختلف. سجن ألتيبلانو — رقابة إلكترونية على مدار الساعة، كاميرات في كل ممر، وزنزانات معزولة تمنع أي تواصل مع الخارج. وأعلن الرئيس المكسيكي أن احتجازه "نهائي وغير قابل للنقاش".
لكن إل تشابو كان يفكر بطريقة مختلفة. بعد أشهر من نقله، بدأت شبكته تعمل بصمت. المهمة: حفر نفق من منزل مستأجر خارج السجن — يبعد نحو كيلومتر ونصف — إلى ما تحت زنزانته بالضبط.
العمل استغرق أشهراً. حفروا على عمق عشرة أمتار، في نفق بارتفاع مترين وعرض متر. مدّوا فيه كهرباء لإنارة المسار كاملاً. ركّبوا نظام تهوية عبر أنابيب. وعلى طول المسار، وضعوا قضباناً حديدية تسير عليها دراجة نارية مُعدَّلة — لنقله سريعاً دون أن يضطر للجري كيلومتراً ونصفاً في الظلام.
الأجهزة الرقابية في السجن لم تكتشف شيئاً. الكاميرات لم تلتقط شيئاً. الحراس لم يلاحظوا شيئاً.
ليلة الاختفاء
في الحادي عشر من يوليو 2015، الساعة الثامنة وثمانية وخمسون دقيقة مساءً، شاهدت كاميرات المراقبة إل تشابو يدخل الحمام ويُغلق الباب. لم تشهد خروجه.
بعد ساعة تفقّد الحراس الزنزانة. وفي أرضية الحمام — في الزاوية تحت قاعدة الدش — ثقب مستطيل مُحكم الحواف يكشف أعماق الأرض.
كان إل تشابو قد قطع الكيلومتر ونصف على دراجته تحت الأرض، وصعد من الجهة الأخرى إلى منزل متواضع، حيث كانت سيارة تنتظره.
وفي الصباح، استيقظ العالم على خبر يصعب تصديقه: إل تشابو هرب مرة ثانية.
الصدمة والخجل — ثمن الفضيحة
أُقيل مسؤولون، وفُتحت تحقيقات، وصرّح الرئيس بعبارات غاضبة أمام الكاميرات. لكن السؤال الذي لم تجرؤ الحكومة على الإجابة عنه بصوت عالٍ كان واضحاً: كيف يُحفر نفق بطول كيلومتر ونصف تحت أكثر السجون أماناً في البلاد دون أن يعلم أحد؟
الجواب الوحيد الممكن كان مزعجاً: إما أن الأجهزة الأمنية لم تكتشف وهذا وحده فضيحة — وإما أنها اكتشفت وأغمضت عيونها، وهذا أسوأ بكثير.
بعد أشهر من الهروب، نظّم إل تشابو لقاءً مع الممثل الأمريكي شون بن في مخبئه بالأدغال، وأجرى معه مقابلة نُشرت في مجلة Rolling Stone. وكان ذلك المقال هو الخيط الذي ساعد السلطات على تضييق الحصار حوله.
القبضة الثالثة — والأخيرة
في الثامن من يناير 2016، شنّت قوات مكسيكية خاصة مداهمة في مدينة لوس موشيس بولاية سينالوا. وجدوا إل تشابو يختبئ في فندق متواضع. اعتُقل للمرة الثالثة.
في التاسع عشر من يناير 2017، نُقل على متن طائرة مُقيَّداً إلى نيويورك. وفي فبراير 2019، أصدرت المحكمة الفيدرالية الأمريكية حكمها: السجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج، وثلاثون عاماً إضافية. نُقل إلى سجن فلورنس في كولورادو — زنزانة انفرادية بلا نوافذ.
وهذه المرة، لا يوجد نفق.
ما الذي تقوله هذه القصة عن شيء أكبر منها؟
من السهل قراءة قصة إل تشابو كقصة رجل استثنائي — عبقري الجريمة الذي تحدّى الدول ونجح. لكن القراءة الأعمق تكشف شيئاً مختلفاً.
إل تشابو لم ينجح لأنه كان أذكى من الجميع. نجح لأنه كان يعمل داخل نظام مثقوب من الداخل. نجح لأن المال كان قادراً في كل مرحلة على شراء صمت من يُفترض أن يصرخوا.
النفق لم يُحفر في سرية تامة رغم كل الأنظار. حُفر لأن الأنظار كانت مصروفة في اتجاه آخر — أو لأن أصحابها اختاروا ألا يروا.
الجدران العالية والكاميرات ومضاعفة الحراسة — كل هذا يحمي المجتمع من المجرم. لكن لا شيء يحمي المجتمع حين يكون الفساد هو من يحرس باب السجن من الداخل.
المصادر: وثائق المحكمة الفيدرالية الأمريكية — نيويورك (2019) | The New York Times | BBC Arabic | مقابلة شون بن — Rolling Stone (يناير 2016) | تقارير وكالة DEA






تعليقات
إرسال تعليق