ماري سيليست: السفينة التي واصلت الإبحار… واختفى كل من عليها
في الخامس من ديسمبر عام 1872، كان طاقم السفينة البريطانية «دي غراتيا» يبحر في المحيط الأطلسي، على بُعد مئات الأميال من جزر الأزور. وسط البحر، لمح البحارة سفينة شراعية تسير بطريقة غير طبيعية؛ شراعها مرفوع، لكنها لا تستجيب للإشارات ولا يبدو أن أحدًا يقودها.
اقتربت «دي غراتيا» بحذر. لم تكن السفينة المحيطة بهم محطمة، ولم تكن تغرق أمام أعينهم. كان اسمها «ماري سيليست»، وهي سفينة أمريكية غادرت نيويورك قبل أسابيع متجهة إلى إيطاليا. لكن شيئًا واحدًا كان غائبًا عنها: البشر.
لم يجد البحارة قبطانًا على سطحها، ولا بحارًا في المقصورة، ولا أثرًا للعائلة التي كانت على متنها. اختفى عشرة أشخاص، بينهم طفل صغير، بينما بقيت السفينة تطفو وحدها في عرض المحيط. لم تظهر آثار معركة، ولم يُعثر على جثث، ولم يكن هناك تفسير واضح لقرار ترك سفينة لا تزال قادرة على الإبحار.
رحلة بدأت كأي رحلة تجارية
لم تكن «ماري سيليست» في ذلك الوقت سفينة غامضة أو أثرية. كانت سفينة شحن شراعية بُنيت في كندا في القرن التاسع عشر، وعُرفت في سنواتها الأولى باسم «أمازون»، ثم انتقلت ملكيتها وتغير اسمها. وفي خريف عام 1872، أُعدّت لرحلة تجارية من نيويورك إلى مدينة جنوة الإيطالية.
قاد السفينة القبطان بنيامين بريغز، وكان برفقته زوجته سارة وابنتهما صوفيا، التي لم تتجاوز عامها الثاني، إضافة إلى سبعة من أفراد الطاقم. لم تكن الرحلة نزهة عائلية؛ فالمحيط الأطلسي كان واسعًا ومتقلبًا، والسفن الشراعية تعتمد على الرياح والخبرة أكثر مما تعتمد على أي وسيلة إنقاذ سريعة.
غادرت «ماري سيليست» نيويورك في السابع من نوفمبر، وكانت تحمل شحنة كبيرة من الكحول الصناعي، موزعة على 1701 برميل. بدت الرحلة واضحة الهدف: نقل الشحنة إلى أوروبا، ثم العودة إلى العمل البحري المعتاد. لم يكن أحد على الرصيف يتوقع أن يصبح اسم السفينة مرتبطًا بأحد أشهر ألغاز البحر.
وعلى متن السفينة، لم تكن العائلة تسافر وحدها في فراغ. كان هناك طاقم مسؤول عن الأشرعة والمراقبة والملاحة، وأغراض يومية تشير إلى أن الرحلة بدأت بصورة طبيعية. لهذا صار غياب الجميع لاحقًا أكثر إرباكًا: لم يختفِ شخص واحد في ليلة عاصفة، بل اختفى كل من كان على السفينة، ولم يبقَ شاهد يروي ما حدث.
تخيل مقصورة خشبية ضيقة تتمايل مع حركة الأمواج؛ أدوات الملاحة في مكانها، ومستلزمات السفر موزعة بين الصناديق والأسرّة. كانت هذه المساحة بيتًا مؤقتًا لأسرة القبطان طوال الرحلة، قبل أن تتحول إلى جزء صامت من لغز لا يملك أحد مفتاحه.
سفينة مأهولة… ثم سفينة بلا أحد
بعد مغادرة نيويورك، واجهت «ماري سيليست» أحوالًا بحرية صعبة في طريقها نحو الأزور. وآخر تدوين معروف في سجلها يعود إلى الخامس والعشرين من نوفمبر. كان ذلك قبل العثور عليها بنحو عشرة أيام. لا يخبرنا السجل بما حدث بعد تلك اللحظة، ولا يذكر أن القبطان قرر تغيير وجهة الرحلة أو طلب المساعدة.
حين صعد بحارة «دي غراتيا» إلى السفينة، وجدوا عددًا من الأشياء التي جعلت المشهد أعقد. لم يكن هناك طاقم، وكان قارب النجاة مفقودًا. إحدى مضختي السفينة كانت مفككة، وتجمعت مياه في قاع الهيكل بارتفاع يقارب المتر. في المقابل، بقي معظم الحمولة في مكانه، وكانت المؤن والمياه الموجودة على متن السفينة تكفي مدة طويلة.
لم تكن هذه صورة سفينة تعرضت لهجوم واضح. لم يُعثر على دليل يثبت وقوع معركة، ولم تختفِ الشحنة كما قد يحدث في عملية سطو. لكنها أيضًا لم تكن سليمة تمامًا: هناك قارب مفقود، ومضخة لا تعمل، ومياه في القاع، وفجوة زمنية طويلة بين آخر تدوين والعثور عليها.
كان على البحارة أن يقرروا ما يفعلونه بسفينة فارغة تتقاذفها الرياح. أبحر بعضهم بها إلى جبل طارق، حيث بدأت السلطات فحصها وفتح تحقيق في ظروف العثور عليها. أما العشرة الذين غادروها، فلم يكن بينهم من يستطيع تفسير سبب مغادرة السفينة أو تحديد اللحظة التي انفصلوا فيها عنها.
تحقيق يبحث عن جريمة ولا يجد دليلًا
في جبل طارق، لم يتعامل المحققون مع القضية على أنها لغز بحري فحسب. كان لا بد من فحص احتمال حدوث جريمة؛ فالسفينة تحمل شحنة ثمينة، وطاقم «دي غراتيا» هو الذي عثر عليها ووصل بها إلى الميناء. لذلك دققت المحكمة في حالة السفينة، وفي رواية البحارة الذين صعدوا إليها، وفي احتمال أن يكون أحدهم قد اعتدى على طاقم «ماري سيليست».
استمر التحقيق أشهرًا، لكنه لم يخرج بدليل حاسم على القتل أو القرصنة أو التمرد. لم تظهر آثار دماء تؤكد وقوع اعتداء، ولم يقدم الفحص ما يثبت أن السفينة أُفرغت عمدًا من طاقمها. وفي النهاية، لم تتمكن المحكمة من إثبات جريمة ارتكبها طاقم «دي غراتيا».
ومع ذلك، لم تُنهِ نتيجة التحقيق الشكوك بالكامل. حصل البحارة الذين أعادوا السفينة على مكافأة إنقاذ أقل مما كانوا يطالبون به، وهو ما يعكس حذر السلطات، لكنه لا يثبت أنهم ارتكبوا جريمة. بقيت القضية عالقة بين احتمال أن يكون هناك تفسير عادي لم يُكتشف، وبين قصص أكثر إثارة لم تستند إلى دليل.
نظريات كثيرة… وأدلة قليلة
كانت فكرة القرصنة من أوائل التفسيرات التي ظهرت. ربما صعد مهاجمون إلى السفينة وأخذوا ركابها، ثم تركوا الحمولة كما هي. لكن غياب علامات العنف، وبقاء معظم الشحنة، وعدم وجود دليل على صعود غرباء إلى السفينة، جعل هذا الاحتمال صعب الإثبات.
وظهرت نظرية التمرد أيضًا: أن أفراد الطاقم ثاروا على القبطان، أو أن خلافًا داخليًا انتهى بمغادرة الجميع. لكن هذه الفكرة لم تجد ما يسندها. لم يظهر سجل أو شهادة تكشف عن خصومة، ولم توجد قرينة تؤكد أن أحد أفراد الطاقم قاد السفينة بعد القبطان.
ثم نالت شحنة الكحول اهتمامًا خاصًا. اقترح بعضهم أن أبخرة الكحول ربما أثارت خوف القبطان من انفجار أو حريق، فقرر إخلاء السفينة مؤقتًا. غير أن وجود شحنة من الكحول لا يثبت وحده أن انفجارًا وقع، ولا يشرح لماذا لم يعد الركاب إلى السفينة أو كيف ضاعوا جميعًا. إنها فرضية ممكنة في نظر بعض الكتّاب، لكنها لم تُثبت في التحقيق.
كما طُرحت العواصف الشديدة، وتسرب المياه، وتعطل المضخات، والاندفاع المفاجئ للأمواج. وهذه تفسيرات لا تحتاج إلى مهاجم أو مؤامرة؛ فالسفن في ذلك الزمن قد تواجه خطرًا لا يستطيع طاقمها تقديره بدقة، خصوصًا في ليلة مظلمة أو بحر مضطرب. لكن المشكلة أن السجل لا يقدم لنا وصفًا مكتملًا للحالة الأخيرة للسفينة.
هنا تكمن صعوبة القضية: كل تفسير يشرح جزءًا ويترك جزءًا آخر. قد يفسر الخوف من الغرق قرار مغادرة السفينة، لكنه لا يثبت كيف اختفى الناس. وقد يفسر هجوم مفاجئ غيابهم، لكنه لا يترك دليلًا واضحًا عليه. أما الكحول أو العاصفة، فهما احتمالان لا يمكن تحويلهما إلى حقيقة لمجرد أنهما يبدوان مقنعين.
هل غادروا السفينة ظنًا أنها ستغرق؟
قدمت مراجعة لاحقة للوثائق والظروف البحرية تصورًا مختلفًا عن قصص القراصنة والوحوش. اقترحت هذه القراءة أن القبطان ربما اعتقد أن السفينة تواجه خطرًا حقيقيًا، وأن المضخة المعطلة أو صعوبة تقدير كمية المياه في القاع جعلت الموقف يبدو أسوأ مما كان عليه. وإذا كان القبطان يخشى أن تغرق السفينة، فقد يأمر عائلته والطاقم بالنزول إلى قارب النجاة.
كان ذلك قرارًا خطيرًا، لكنه ليس مستحيلًا. فالقارب الصغير يستطيع أن يبقى قرب السفينة مؤقتًا، وربما توقع القبطان أن يعود الجميع بعد زوال الخطر. لكن في البحر المفتوح، تكفي الرياح أو الأمواج أو انقطاع الحبل الذي يربط القارب بالسفينة ليتغير كل شيء. إذا ابتعد القارب، قد تمضي السفينة وحدها مع الريح، بينما يظل ركابها في قارب أصغر وأضعف.
ومن الممكن أن تكون «ماري سيليست» قد واصلت الإبحار بلا طاقم بعد مغادرتهم، بينما لم يتمكن ركاب القارب من اللحاق بها. هذا السيناريو يفسر كيف عُثر على السفينة سليمة نسبيًا، لكنه لا يثبت أنه ما حدث فعلًا. لا نملك شاهدًا يصف لحظة النزول، ولا أثرًا يكشف مصير القارب، ولا سجلًا يشرح قرار القبطان.
كيف تحولت الحادثة إلى أسطورة؟
بعد انتشار الخبر، لم تبقَ قصة «ماري سيليست» داخل ملفات التحقيق. أضاف إليها كتّاب وصحفيون تفاصيل درامية، وأصبحت السفينة في الحكايات كأنها عادت من عالم آخر. وفي عام 1884، ساعدت قصة قصيرة مستوحاة من الحادثة على زيادة شهرتها؛ لكنها كانت عملًا أدبيًا، لا شهادة جديدة تكشف ما جرى.
مع مرور الزمن، اختلطت الوقائع بالتخمين. تغيرت بعض التفاصيل في الروايات الشعبية، وأُضيفت إليها مشاهد لم تثبت في وثائق التحقيق. وعندما تكررت القصة، بدا للقراء أن كل تفصيل متداول حقيقة تاريخية، مع أن السجل الأصلي يترك فراغات واسعة لا يستطيع أحد ملأها بيقين.
والحقيقة المؤكدة أقل غرابة من الأسطورة، لكنها لا تقل حزنًا: سفينة خرجت في رحلة تجارية، وعلى متنها أسرة وطاقم، ثم عُثر عليها بلا أي شخص. لم يُعرف مصير القبطان أو زوجته أو طفلته أو البحارة السبعة. ولم يظهر دليل نهائي يحدد إن كانوا قد هجروا السفينة بسبب خطر، أو وقع لهم حادث في القارب، أو حدث أمر آخر لم يصل إلينا.
الخاتمة
لا تكمن قوة قصة «ماري سيليست» في أنها تثبت وجود سر خارق، بل في أنها تكشف حدود ما يمكن أن نعرفه عندما يغيب الشهود وتبقى الأدلة ناقصة. كان هناك قارب مفقود، ومضخة مفككة، وماء في قاع السفينة، وآخر سجل توقف قبل العثور عليها بأيام. هذه تفاصيل حقيقية؛ أما ما حدث للعشرة، فما زال سؤالًا بلا جواب.
ربما كان القبطان يحاول حماية أسرته من خطر ظنه وشيكًا. وربما باغتتهم حادثة لم تترك أثرًا واضحًا. وربما يوجد تفسير لم يخطر للمحققين، ثم ضاع مع السجل والبحارة. لكن ما دام الدليل غائبًا، ينبغي أن تبقى هذه كلها احتمالات، لا حقائق.
وهكذا عبرت «ماري سيليست» المحيط وحدها، تحمل شحنتها وتجر وراءها قصة لم تكتمل. أما ركابها، فلم يتركوا رسالة أخيرة تشرح قرارهم، ولم يعد أحد منهم ليقول إن كان الخوف هو ما دفعهم إلى القارب، أم أن البحر اتخذ القرار عنهم.




تعليقات
إرسال تعليق