جريمة هينتركايڤك الغامضة — ستة قتلى ومزرعة لم تكشف سرها
في ربيع عام 1922، كان الثلج يذوب ببطء في ريف بافاريا الألمانية. وعلى طريق ضيق بين القرى، وقفت مزرعة منعزلة لا يسمع فيها المسافر سوى الريح وصوت الحيوانات. لم تكن هناك أنوار كهربائية، ولم يكن أقرب جيرانها على مسافة تسمح لهم بمعرفة ما يحدث خلف جدرانها.
في تلك المزرعة عاش أفراد عائلة غروبر، ومعهم خادمة جديدة وصلت قبل ساعات من وقوع الجريمة. وبعد أيام، دخل الجيران إلى المكان بحثاً عن سكانه. ما وجدوه لم يكن مجرد غياب مقلق؛ بل جريمة قتل جماعية ستتحول إلى واحدة من أكثر القضايا غموضاً في تاريخ ألمانيا.
مزرعة عند أطراف القرية
كانت المزرعة المعروفة باسم هينتركايڤك تقع في ريف بافاريا، قرب قرية غروبرن وعلى مسافة عدة كيلومترات من شروبنهاوزن. لم يكن اسم «هينتركايڤك» اسماً رسمياً لمكان مستقل، بل صار الاسم الذي عُرفت به المزرعة بعد الجريمة. وكان الموقع بعيداً عن الحركة اليومية، محاطاً بالحقول والأشجار، ما جعل الوصول إليه أو ملاحظة ما يجري فيه أمراً صعباً.
عاشت هناك الأسرة المكوّنة من المزارع أندرياس غروبر وزوجته كازيليا، وابنتهما فيكتوريا غابرييل، وأطفال فيكتوريا كازيليا ويوزف. كما كانت الأسرة تستعين بخادمة. وكانت الخادمة السابقة قد غادرت قبل أشهر، ثم عُيّنت ماريا باومغارتنر، التي وصلت إلى المزرعة يوم الجمعة 31 مارس 1922.
كانت ماريا جديدة تماماً على المكان. رافقتها أختها في الطريق، ثم غادرت بعد زيارة قصيرة. لم تكن تعرف تفاصيل حياة الأسرة ولا علاقتها بجيرانها، ولم تتح لها فرصة طويلة لتعتاد المنزل. ووفق الروايات التاريخية، كانت تلك أول مرة تعمل فيها في المزرعة.
قبل الجريمة، تحدّث بعض سكان المنطقة عن أمور بدت غريبة: أصوات في المنزل، أو شخص شوهد قرب الغابة، أو آثار أقدام في الثلج قادت باتجاه المزرعة. لكن هذه التفاصيل لم تُحسم كلها بأدلة مستقلة. ومع مرور الزمن، اختلط ما يمكن توثيقه بما أضافته الشائعات والحكايات المتناقلة. ولذلك لا يصح التعامل مع كل تفصيل غامض كما لو كان حقيقة أثبتها التحقيق.
ليلة 31 مارس
حددت السجلات الرسمية وقت الوفاة في ليلة 31 مارس 1922، خلال ساعات المساء. لم ينجُ أحد من سكان المزرعة الستة: أندرياس وزوجته كازيليا، وابنتهما فيكتوريا، وطفلاها كازيليا ويوزف، والخادمة ماريا. كان عمر الطفلة كازيليا سبع سنوات، أما يوزف فكان في الثانية.
لا تُعرف التفاصيل الكاملة لما حدث داخل المزرعة، ولا يوجد شاهد رأى الجريمة. وقد خلصت السجلات إلى أن الضحايا ماتوا نتيجة إصابات خطيرة في الرأس، لكن الجاني لم يُقبض عليه، ولم تثبت المحكمة مسؤولية أي شخص. أما ما جرى غرفةً غرفةً، ومن كان أول الضحايا، وكيف تحرك الفاعل بين الحظيرة والمنزل، فبقي موضوعاً لإعادة البناء والتخمين، لا حقيقة نهائية.
إن غياب الشهود جعل الساعات الأخيرة للعائلة لغزاً بحد ذاته. لم تُعرف لحظة اقتحام المكان، ولا ما إذا كان الجاني شخصاً واحداً أم أكثر. ولم يظهر تفسير حاسم يوضح سبب اختيار الأسرة أو ما الذي أراده الفاعل منها. وهكذا صار الصمت الذي أعقب تلك الليلة جزءاً من الجريمة؛ فكل إجابة محتملة كانت تفتح سؤالاً جديداً.
أيام مرّت قبل اكتشاف الجريمة
لم يُعثر على الجثامين فوراً. ففي الأيام التي تلت ليلة الجريمة، لاحظ بعض أهل المنطقة أن الأسرة لم تظهر كعادتها. لم يذهب الأطفال إلى المدرسة، ولم يرَ الناس أفراد العائلة في شؤونهم اليومية. لكن العائلة كانت معروفة بالانعزال، فظن بعضهم أن غيابها قد يكون بسبب زيارة أو ظرف عائلي.
ومن التفاصيل التي أخّرت إثارة الشكوك أن الحيوانات في المزرعة لم تُترك بلا طعام، وأن أعمالاً في المكان استمرت على نحو أوحى لبعض من مرّوا به أن الحياة لم تتوقف. وظهرت لاحقاً روايات تقول إن شخصاً بقي في المزرعة بعد الجريمة وأطعم الحيوانات. غير أن معرفة من فعل ذلك، وما إذا كان هو القاتل نفسه، لم تثبت بصورة قاطعة.
في الرابع من أبريل، قرر ثلاثة من الجيران التوجه إلى المزرعة بعدما طال الصمت. كان بينهم لورنتس شليتنبور، إلى جانب ياكوب زيغل وميخائيل بول. دخل الرجال المكان واكتشفوا أن ستة أشخاص قد قُتلوا. ووفق التقارير التاريخية، عُثر على أربعة من الضحايا في الحظيرة، بينما كان اثنان في المنزل.
كان وقع الاكتشاف قاسياً على الجيران. لم يكن بينهم من يملك تفسيراً لما وقع، ولم تكن هناك رسالة تشرح الدافع أو أثر يدل بوضوح على هوية الجاني. وسرعان ما انتقلت القضية إلى الشرطة، لكن وصول المحققين لم يعنِ أن المكان حُفظ كما ينبغي؛ فقد دخل إليه عدد من الأشخاص قبل أن تُستكمل إجراءات التحقيق، وتحركت أشياء من مواضعها.
التحقيق: أدلة كثيرة، وإجابة غائبة
وصل محققون من ميونيخ إلى المنطقة وبدأوا باستجواب السكان والبحث عن مشتبه بهم. لكن التحقيق واجه مشكلات منذ البداية. لم تكن أساليب حفظ الأدلة الجنائية في عام 1922 بمستوى ما نعرفه اليوم، كما أن كثرة من دخلوا المكان أضعفت إمكانية التمييز بين آثار سكان المزرعة وآثار الآخرين. وذكرت مراجعات لاحقة أن بصمات الأصابع لم تُجمع من مسرح الجريمة كما كان ممكناً في ذلك الوقت.
كان من المفترض أن يساعد كل دليل مادي على تضييق دائرة الاحتمالات، إلا أن بعض الأدلة لم تظهر إلا متأخراً. ففي عام 1923، حين هُدمت المزرعة، عُثر على أداة زراعية قيل إنها سلاح الجريمة مخبأة في جزء من أرضية المكان. كان اكتشافها مهماً، لكنه جاء بعد مرور أشهر طويلة، وبعد أن غادر المحققون الموقع الأصلي واختفت المزرعة نفسها.
وبحسب الأرشيف الرسمي لولاية بافاريا، أُجري أكثر من مئة مسار تحقيقي حتى عام 1930، من دون أن يقود أي منها إلى نتيجة حاسمة. وخلال العقود اللاحقة، عاد المحققون إلى الملف واستجوبوا أشخاصاً آخرين، لكن لم يُوجَّه اتهام ثبتت صحته أمام القضاء. أما في عام 2007، فأعاد خمسة عشر طالباً في مجال الشرطة دراسة القضية ضمن مشروع أكاديمي، وأشاروا إلى جوانب قصور في التحقيق الأصلي. لكن دراستهم لم تثبت هوية القاتل.
من كان موضع الشبهة؟
كثرة الشائعات حول حياة العائلة جعلت دائرة الاشتباه واسعة. كانت هناك خلافات ومشكلات عائلية قديمة، كما ارتبط اسم فيكتوريا بعلاقة مع لورنتس شليتنبور، أحد الرجال الذين وصلوا إلى المزرعة عند اكتشاف الجريمة. لذلك خضع هو وغيره من معارف الأسرة للتدقيق والحديث في الصحافة والكتب التي تناولت القضية لاحقاً.
لكن الشبهة ليست دليلاً. وجود علاقة سابقة أو نزاع أو دافع محتمل لا يكفي لإدانة شخص، خصوصاً في قضية لم يُحسم فيها مسار الجريمة ولا توقيتها الدقيق ولا طريقة دخول الجاني وخروجه. لم تثبت المحكمة أن شليتنبور أو غيره ارتكب الجريمة، ولا يوجد في السجل العام حكم قضائي يحدد القاتل. ومن الأفضل التعامل مع الأسماء التي ظهرت في النظريات بوصفها أشخاصاً اشتبه فيهم أو نوقشت أسماؤهم، لا بوصفهم مذنبين.
ومن النظريات الشائعة أن الجاني كان يعرف المكان جيداً؛ لأن المزرعة منعزلة، ولأن بعض الروايات قالت إن الحيوانات عوملت بعناية بعد القتل. وتذهب نظريات أخرى إلى أن الفاعل ربما مكث في المنزل فترةً بعد الجريمة. غير أن هذه تفسيرات لاحقة لقرائن ناقصة، وليست حقائق ثبتت بهوية أو اعتراف أو دليل جنائي حاسم.
أما قصة آثار الأقدام التي قيل إنها جاءت من الغابة نحو المزرعة من دون أن تظهر آثار عودة، فقد أصبحت أشهر صور القضية في الكتب والبرامج. لكنها لا تكشف بمفردها من ترك تلك الآثار، ولا تثبت أن صاحبها كان القاتل، ولا تفسر كيف غادر المكان. ولأن المصادر تختلف في طريقة عرض التفاصيل، ينبغي ألا تتحول هذه الرواية إلى «حل» مؤكد لمجرد أنها مثيرة.
مزرعة اختفت وبقيت القضية
بعد الجريمة، لم يرغب أحد في السكن في المزرعة. وفي عام 1923 هُدم المبنى، ولم يبقَ مسرح الجريمة كما كان. وبعد ذلك، ساهم غياب المنزل الأصلي وتلف بعض الوثائق بمرور الوقت في جعل إعادة بناء الوقائع أكثر صعوبة. بمرور السنوات، أصبحت هينتركايڤك اسماً يتردد كلما ذُكرت القضايا الألمانية غير المحلولة.
ساعدت الكتب والبرامج والروايات الأدبية على إبقاء القضية حاضرة، لكنها أضافت أحياناً طبقات من الأساطير إلى ما هو معروف. فبعض الحكايات صوّرت المزرعة وكأنها مسكونة، وبعضها قدم مشتبهاً به على أنه القاتل المؤكد. إلا أن السجل التاريخي لا يثبت ذلك. والفرق مهم بين قصة رعب مستوحاة من الجريمة وبين رواية تستند إلى وثائق ومحاضر رسمية.
الخاتمة: ما الذي يجعلها جريمة غامضة؟
لا تكمن غموضة هينتركايڤك في عدد الضحايا وحده، بل في اجتماع ظروف متشابكة: مزرعة بعيدة، ستة قتلى، خادمة وصلت قبل ساعات، تأخر اكتشاف الجريمة، أدلة تضررت، وأداة لم تُعثر عليها إلا بعد هدم المكان. وعلى امتداد سنوات، طُرحت نظريات كثيرة، لكن أياً منها لم يتحول إلى إثبات نهائي.
كانت الجريمة قد أغلقت حياة ستة أشخاص، ثم تركت وراءها عائلات وجيراناً وأسئلة لا تزال بلا جواب. وربما لن نعرف أبداً من دخل المزرعة في تلك الليلة، وما الذي دفعه إلى ارتكاب الجريمة، وكيف خرج منها من دون أن يترك دليلاً يقود إليه. المؤكد الوحيد أن مرتكبها لم يُعرَف، وأن القضية بقيت مفتوحة في ذاكرة الناس حتى بعد أن اختفت المزرعة نفسها.






تعليقات
إرسال تعليق