في ربيع عام 1612، سقط بائع متجول على الطريق قرب تلة بيندل في إنجلترا. قبل أن ينهار، كان قد دخل في خلاف قصير مع فتاة من عائلة ديفايس؛ طلبت منه بعض الدبابيس، ولم تحصل عليها. حادثة صغيرة، كان يمكن أن تُنسى بعد ساعات، لكنها تحولت إلى بداية واحدة من أشهر محاكمات السحر في التاريخ الإنجليزي.

لم تكن الفتاة، أليسون ديفايس، تملك دليلًا على أنها تسببت في مرض الرجل. لكنها عاشت في زمن كان فيه الناس يفسرون المرض المفاجئ والحظ السيئ والموت الغامض أحيانًا بوصفه أثرًا للسحر. وعندما وصل الخبر إلى القاضي المحلي، لم يعد الخلاف حول الدبابيس هو القضية؛ صار السؤال: من الذي وضع التعويذة؟

بعد أشهر قليلة، امتلأت الزنازين بأشخاص من قرى المنطقة، ووقفت طفلة في التاسعة أمام المحكمة لتشهد ضد أمها وأخيها وجيرانها. انتهت القضية بشنق عشرة أشخاص، بينما بقيت التفاصيل التي قادت إلى أحكامهم محفوظة في روايات كتبتها السلطات نفسها. فكيف تحولت خصومة محلية وشائعات عن السحر إلى قضية أودت بحياة عائلات كاملة؟

الحياة تحت ظل تلة بيندل

تقع تلة بيندل في مقاطعة لانكشاير شمال غرب إنجلترا. وفي أوائل القرن السابع عشر، كانت القرى المحيطة بها صغيرة ومتباعدة، يعيش سكانها على الزراعة والعمل اليدوي، ويعتمد بعضهم على الأعشاب والعلاجات الشعبية لمواجهة المرض. كان الفقر قاسيًا، وكانت الخلافات بين الجيران والعائلات جزءًا من الحياة اليومية.

في المنطقة عاشت عائلتان ارتبط اسمهما بالقضية: عائلة ديفايس وعائلة ويتل. كانت إليزابيث ساوثرنز، المعروفة بلقب «ديمدايك»، امرأة مسنة من عائلة ديفايس، وكانت بعض الروايات المحلية تصفها بأنها تمارس أعمالًا علاجية أو يُلجأ إليها عند المرض. أما آن ويتل، التي عُرفت بلقب «تشاتوكس»، فكانت امرأة أخرى من المنطقة اتُهمت بدورها بممارسة السحر.

لم يكن استخدام الأعشاب أو طلب العون من امرأة محلية دليلًا على قوى خارقة. لكنه في مجتمع يعيش وسط الخوف والمرض والفقر، كان كافيًا ليجعل صاحبه موضع شك. وإذا مرضت بقرة بعد خصومة مع جار، أو ساءت صحة طفل، فقد يبحث الناس عن شخص يحمّلونه مسؤولية ما لا يستطيعون تفسيره.

كان الخوف الديني والسياسي حاضرًا أيضًا. جلس الملك جيمس الأول على العرش، وازدهرت في إنجلترا مخاوف من السحر والمؤامرات الدينية. لم تُفهم المزاعم باعتبارها خلافات أسرية بسيطة، بل رآها بعض المسؤولين تهديدًا للنظام الديني والاجتماعي. وفي هذا الجو، أصبحت الشائعة قادرة على الوصول من كوخ فقير إلى قاعة المحكمة.

الدبابيس التي أشعلت الاتهام

في مارس من عام 1612، طلبت أليسون ديفايس دبابيس من بائع متجول يُدعى جون لو. تختلف الروايات في تفاصيل اللقاء، لكن الحكاية التي انتشرت تقول إن الرجل لم يعطها ما طلبت، ثم أصيب بعارض مفاجئ وسقط. بعد ذلك، اتهم بعض الناس أليسون بأنها لعنته أو سحرته.

استُدعيت الفتاة للاستجواب أمام القاضي المحلي روجر نويل. ووفقًا للرواية التي وصلت إلينا، اعترفت أليسون بأنها ربما تسببت في مرض البائع، ثم أشارت إلى أشخاص آخرين من عائلتها ومن عائلة ويتل. لا نعرف ما الذي دار في غرفة الاستجواب بالتفصيل، ولا يمكن اعتبار اعتراف صدر في ظروف التحقيق دليلًا على أن السحر وقع فعلًا.

لم تتوقف الاتهامات عند أليسون. وُضعت جدتها ديمدايك ووالدتها إليزابيث ديفايس في دائرة الشك، وكذلك آن ويتل وابنتها آن ريدفيرن. وكانت بين بعض هذه العائلات خصومات سابقة؛ لذلك اختلطت في القضية اتهامات السحر بأحاديث عن عداوات قديمة ووقائع مرض أو وفاة لم يكن لها تفسير طبي واضح لدى الناس في ذلك الزمن.

اجتماع الجمعة العظيمة

اتسعت القضية أكثر بعد اجتماع قيل إنه عُقد في بيت يُعرف باسم «مالكين تاور» يوم الجمعة العظيمة. كان هذا اليوم مناسبة دينية مهمة، ولذلك أثار اجتماع مجموعة من الناس في مكان واحد شكوكًا لدى بعض السكان. انتشرت رواية تقول إن الحاضرين اجتمعوا لمساعدة المسجونين أو لمناقشة مؤامرة ضد السلطات.

لكن ما نعرفه عن هذا الاجتماع جاء أساسًا من أقوال وشهادات سُجلت في سياق التحقيق والمحاكمة. لم يكن هناك دليل مستقل يثبت أن المجتمعين مارسوا السحر أو خططوا لعمل خارق. ومع ذلك، ساعدت فكرة الاجتماع الغامض على ربط أسماء كثيرة ببعضها، فتحول الاتهام من شخص أو اثنين إلى قضية جماعية.

أُلقي القبض على مزيد من الأشخاص، من بينهم أليس ناتر، وهي امرأة من عائلة محترمة وذات أملاك، ما جعل القضية تتجاوز صورة اتهام الفقراء وحدهم. لكن المكانة الاجتماعية لم تحمِ المتهمة حين قالت الشهادات إنها حضرت الاجتماع أو شاركت في أعمال السحر. صار مجرد ذكر الاسم في رواية شخص آخر قادرًا على تغيير حياة عائلة كاملة.

ماتت ديمدايك في السجن قبل أن تصل إلى المحاكمة. أما بقية المتهمين، فنُقلوا إلى قلعة لانكستر، حيث انتظروا أشهرًا في ظروف قاسية. كان التحقيق قد جمع بين اعترافات واتهامات وشهادات عن حوادث قديمة، لكن كثيرًا من تلك الأقوال لم يكن ممكنًا التحقق منه بطريقة موثوقة.

الطفلة التي وقفت أمام المحكمة

في أغسطس من عام 1612، بدأت المحاكمات في لانكستر. وكان بين الشهود جينيت ديفايس، ابنة إليزابيث ديفايس، التي لم يتجاوز عمرها تسع سنوات. دخلت الطفلة قاعة المحكمة وشهدت ضد أمها وأخيها جيمس وأشخاص آخرين من محيطها.

تروي إحدى الروايات أن أمها صرخت عندما ظهرت جينيت في القاعة، وأن المحكمة اضطرت إلى إخراجها. ثم وقفت الطفلة وأدلت بشهادتها. لكن هذه التفاصيل وصلت إلينا عبر سجل كتبه توماس بوتس، كاتب المحكمة، ونُشر لاحقًا في كتاب عن القضية. لذلك يجب تذكر أن الرواية التي نقرأها لم تُكتب من وجهة نظر محايدة؛ كُتبت في زمن كان فيه المسؤولون يؤمنون بأن السحر جريمة حقيقية.

قالت جينيت إن بعض المتهمين حضروا اجتماعًا في بيت جدتها، وذكرت روايات عن أرواح مألوفة وأعمال سحر مزعومة. لم تكن المحكمة تطلب إثباتًا علميًا للادعاء، ولم يكن لدى المتهمين وسائل حديثة للدفاع عن أنفسهم أو دحض ما قيل. هكذا أصبح كلام طفلة، في مجتمع يعتبر السحر حقيقة، جزءًا أساسيًا من ملف اتهام ضد أفراد من أسرتها.

لا يمكننا الجزم بسبب شهادة جينيت أو بما كانت تشعر به وهي تتحدث. ربما صدقت ما قيل لها، وربما تأثرت بالخوف أو بالضغط، وربما اعتقدت أن قول ما ينتظره الكبار سيحميها. لا تمنحنا الوثائق جوابًا أكيدًا. لكنها تخبرنا أن محكمة ذلك الوقت قبلت أقوالًا من هذا النوع، حتى عندما تعارضت مع حق المتهمين في محاكمة عادلة.

أحكام انتهت إلى المشنقة

في القضية المرتبطة ببيندل، اتُّهم اثنا عشر شخصًا. مات أحدهم في السجن قبل المحاكمة، ومثل أحد عشر أمام القضاء؛ أُدين عشرة منهم وحُكم عليهم بالإعدام شنقًا، بينما بُرّئ شخص واحد. وكان من بين الذين أُعدموا أليسون ديفايس ووالدتها إليزابيث وشقيقها جيمس، إضافة إلى أشخاص آخرين من العائلتين والقرى المجاورة.

لم تكن المحاكمات كلها تدور حول التهمة نفسها. ربطت المزاعم بين السحر ومرض أشخاص أو موتهم، وبين حيوانات نفقت، أو لقاءات قيل إنها سريّة. بعض الاتهامات استند إلى خصومة أو شائعة، وبعضها إلى أقوال المتهمين أنفسهم. لكن في غياب الفهم الطبي والعلمي، استطاع الخوف أن يملأ الفراغات التي لم تستطع الأدلة ملأها.

لم يكن الإعدام نتيجة اكتشاف سحر مثبت، بل نتيجة نظام قضائي قبل في ذلك الزمن روايات يصعب اختبارها، وتعامل مع ممارسات أو معتقدات محلية بوصفها جرائم خطيرة. هذه نقطة مهمة عند قراءة القصة: ما نعرفه هو أن الناس اتُّهموا وحوكموا وأُعدموا؛ أما ادعاء أن قوى خارقة سببت المرض أو الموت، فلم تثبته تلك المحاكمات.

وبعد انتهاء القضية، انتشرت تفاصيلها على نطاق أوسع بفضل الكتاب الذي نشره توماس بوتس. ساعد الكتاب على تثبيت أسماء المتهمين ورواية المحاكمة في الذاكرة العامة، لكنه ساهم أيضًا في تقديم منظور السلطة التي أدانتهم. ومن هنا تبدأ مسؤولية القارئ: أن يميز بين ما حدث فعلًا، وما قاله الشهود، وما أراد كاتب المحكمة أن يصدقه الناس.

ما الذي جعل القصة مخيفة؟

لا تحتاج قصة بيندل إلى أشباح كي تكون مرعبة. أكثر ما يخيف فيها أن حادثة صغيرة، وخلافًا بين جيران، وخوفًا من السحر، استطاعت أن تتحول إلى اتهام جماعي. لم تكن المتهمة تحتاج إلى دليل مادي ضدها؛ أحيانًا كانت شائعة أو شهادة غير قابلة للتحقق كافية لدفعها إلى السجن.

والأشد قسوة أن جينيت لم تقف أمام المحكمة ضد غرباء فقط، بل شهدت ضد أمها وأخيها. قد نرغب في معرفة ما الذي دفعها إلى ذلك، لكن التاريخ لا يترك لنا جوابًا موثوقًا. ما يتركه هو صورة طفلة داخل محكمة يحكمها بالغون، في زمن كان فيه الاعتراف بالخوف أقوى من الاعتراض على الاتهام.

لهذا بقيت محاكمات بيندل من أشهر قضايا السحر في إنجلترا. ليست لأنها تثبت وجود ساحرات، بل لأنها تكشف كيف يمكن للمجتمع أن يصنع «وحشًا» من جاره عندما يغيب الدليل، وتتحول الخرافة إلى اتهام رسمي، ثم يصبح التراجع عن الخطأ مستحيلًا بعد صدور الحكم.

الخاتمة

بدأت حكاية بيندل بخلاف على دبابيس ومرض مفاجئ، ثم اتسعت مع كل اسم جديد يُذكر في التحقيق. وفي النهاية، وصلت إلى محكمة قبلت شهادة طفلة في التاسعة على أنها دليل كافٍ، وانتهت بإعدام عشرة أشخاص. أما السحر الذي اتُّهموا به، فلم تثبت المحاكمة وجوده.

تذكّرنا هذه القصة بأن أخطر ما في الخرافة ليس الفكرة وحدها، بل حين تتحول إلى حقيقة رسمية لا يجرؤ أحد على مراجعتها. في بيندل، لم يكن هناك دليل ينقذ المتهمين من خوف مجتمعهم. وبعد أكثر من أربعة قرون، بقيت أسماؤهم حاضرة بوصفها ضحايا محاكمة خلطت بين الشائعة والبرهان، وبين الإيمان والخوف.

مصادر للقراءة