ضربات مستمرة وعنف متصاعد واتفاق متعثر
حتى نهاية سبتمبر 2026، لا يبدو أن وقف إطلاق النار في غزة أنهى الهجمات أو أوقف الخسائر المدنية. ففي القطاع، استمرت الغارات وإطلاق النار، بينما بقيت الضفة الغربية مسرحاً لاقتحامات واعتداءات للمستوطنين وقيود على الحركة. وفي الوقت نفسه، لم تُنفّذ مراحل أساسية من الاتفاق السياسي، فظل السكان يعيشون بين الخوف من تجدد القتال والانتظار الطويل لأي تسوية.
هدنة لم توقف الخطر
دخل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ في أكتوبر 2025، بعد شهور من الحرب التي بدأت عقب هجوم قادته حركة حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. قُتل في ذلك الهجوم نحو 1,200 شخص، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن السلطات الإسرائيلية، وأُخذ رهائن إلى القطاع. ومنذ ذلك الحين، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة إلى دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة، بحسب السلطات الصحية الفلسطينية والأمم المتحدة.
كان يُفترض أن يمهد الاتفاق لوقف دائم للقتال، وإطلاق مسار لإعادة إعمار القطاع، وأن يتضمن مراحل لاحقة تتعلق بنزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية وترتيبات الحكم. لكن هذه الملفات بقيت موضع خلاف. وذكرت الأمم المتحدة في إحاطة لمجلس الأمن يوم 28 سبتمبر أن المراحل اللاحقة من خطة السلام لم تبدأ، وأن التقدم السياسي لم يواكب ما نصت عليه الوثائق. لذلك استمرت الهدنة اسماً، بينما ظلت الهجمات والاتهامات المتبادلة حاضرة على الأرض.
غارات جديدة داخل قطاع غزة
في أحدث الوقائع التي أوردتها التقارير قبل نهاية الشهر، أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» بأن غارة إسرائيلية أصابت مخيماً يؤوي نازحين قرب حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، خلال ليلة 30 سبتمبر. ونقلت الوكالة عن مصدر طبي إصابة ثلاثة فلسطينيين، بينهم امرأة، ونقلهم إلى مستشفى الأهلي العربي. ويذكّر استهداف محيط أماكن النزوح بأن كثيراً من المدنيين لا يملكون خياراً آمناً للابتعاد عن مناطق الخطر، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.
وقبل ذلك بيوم، في 29 سبتمبر، أعلنت إسرائيل مقتل عز الدين البيك، الذي وصفته التقارير بأنه قائد الجناح العسكري لحماس في شمال القطاع، في ضربة استهدفت مبنى سكنياً بحي النصر في مدينة غزة. وأكدت حماس مقتله. وقال مستشفى الشفاء إن شخصاً آخر توفي لاحقاً متأثراً بجروحه التي أصيب بها في الهجوم. أما إسرائيل فقالت إن عملياتها تستهدف قيادات عسكرية ومن تصفهم بالمشاركين في هجمات سابقة، فيما اتهمت حماس إسرائيل بتقويض وقف إطلاق النار. وتبقى هذه الروايات منسوبة إلى أصحابها، بينما يظل السؤال الأهم بالنسبة إلى السكان هو حجم الخطر الذي يتعرض له المدنيون في مناطق مأهولة.
وفي 28 سبتمبر، ذكرت «وفا» أن امرأة فلسطينية قُتلت وأُصيب آخرون في غارة استهدفت سطح منزل لعائلة المشهراوي شمالي مدينة غزة، كان يؤوي نازحين. وأضافت الوكالة، نقلاً عن مصادر طبية، أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة أربعة قتلى و19 مصاباً جراء الهجمات. هذه الحصيلة اليومية لا تشرح وحدها حجم الأزمة؛ فكل رقم يمثل أشخاصاً فقدوا حياتهم أو أصيبوا، وأسرًا اضطرت إلى البحث عن مأوى ورعاية طبية في ظروف صعبة.
وفي 23 سبتمبر، أفادت رويترز بمقتل أربعة فلسطينيين على الأقل في ضربات إسرائيلية متفرقة في القطاع. وقال مسعفون إن اثنين قُتلا عندما أصابت غارة سيارة في غرب خان يونس، فيما سقط آخران في ضربتين منفصلتين بمدينة غزة ودير البلح. وقالت الحكومة الإسرائيلية إن إحدى الضربات استهدفت مسؤولاً مالياً في حماس. ونقلت رويترز عن مسؤولين صحيين فلسطينيين حصيلة القتلى في ذلك اليوم، بينما لم يصدر تعليق عسكري إسرائيلي فوري على الضربتين الأخيرتين بحسب التقرير.
الأرقام الإنسانية ومعاناة النازحين
لا تزال الأرقام المنشورة بشأن القتلى والجرحى تتغير مع تحديث السجلات الطبية، كما أن الوصول إلى معلومات مستقلة من داخل مناطق القتال محدود. وبحلول أواخر سبتمبر، كانت تقارير فلسطينية قد أشارت إلى أن العدد الإجمالي للقتلى منذ بدء الحرب تجاوز 74 ألفاً. أما عن الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار، فقد نقلت الأمم المتحدة عن مصادر محلية مقتل نحو 1,394 فلسطينياً حتى 28 سبتمبر، بينما أشارت رويترز قبل ذلك بأيام إلى أن العدد تجاوز 1,400 وفق وزارة الصحة في غزة. اختلاف الأرقام يعكس اختلاف توقيت التحديث ومصدره، ولذلك ينبغي ذكر الجهة والتاريخ عند تداول أي حصيلة.
وتتجاوز آثار القصف أعداد الضحايا المباشرين. فتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 11 سبتمبر وصف الوضع في غزة بأنه بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أن الضربات والأنشطة العسكرية واصلت التسبب في سقوط ضحايا وأضرار في الممتلكات. كما تواجه العائلات النازحة اكتظاظاً ونقصاً في المأوى الملائم والمياه والصرف الصحي، فيما تزداد المخاوف مع اقتراب موسم الأمطار. وذكر التقرير أن 91 في المئة من الأسر التي شملها التقييم في غزة تواجه مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن المائي.
وتزداد الأزمة تعقيداً مع اعتماد عدد كبير من الأسر على نقاط توزيع المياه، والخيام أو المساكن المتضررة، والخدمات الطبية المحدودة. فالطفل الذي يفقد مدرسته لا يخسر مكاناً للتعلم فقط؛ بل يفقد أيضاً روتيناً آمناً وفرصة للابتعاد، ولو مؤقتاً، عن أجواء النزوح والخوف. والأسر التي تنتظر المساعدات قد تضطر إلى التنقل عبر مناطق غير مستقرة للحصول على الماء أو الطعام أو الدواء. لذلك تربط المنظمات الإنسانية بين وقف الهجمات وإتاحة دخول الإمدادات وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، لا بوصفها قضايا منفصلة، بل شروطاً لازمة لحماية المدنيين.
الضفة الغربية: اعتداءات وتهجير وقيود على الحركة
لم تقتصر التطورات على غزة. ففي الضفة الغربية المحتلة، يزداد التوتر مع استمرار عمليات القوات الإسرائيلية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، وهدم المنازل والمنشآت، وفرض القيود على الطرق ومداخل القرى. وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن أكثر من 1,600 هجوم للمستوطنين أوقع إصابات فلسطينية أو أضراراً بالممتلكات بين يناير وأغسطس 2026، في 275 تجمعاً سكانياً، أي بمعدل يقارب 6.7 هجوم يومياً. وهي زيادة مقارنة بمعدل خمسة هجمات يومياً في عام 2025، بحسب التقرير نفسه.
ومن أبرز الوقائع التي نُشرت في 29 سبتمبر الهجوم على قرية جالود قرب نابلس. وذكرت رويترز أن أكثر من مئة مستوطن هاجموا القرية، وأحرقوا منزلين لعائلة فلسطينية كانت تحاول العودة إليهما برفقة الجيش الإسرائيلي. وقالت القوات الإسرائيلية إن ثلاثة من أفرادها أُصيبوا بالحجارة، وإن إعادة العائلة لم تكتمل بسبب تصاعد العنف. كما ذكرت الوكالة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أدان الاعتداء، وأن الجيش أعلن اعتقال مستوطنين اثنين وفتح تحقيق. وتبرز هذه الحادثة الفجوة بين التصريحات الرسمية التي ترفض العنف وبين شعور السكان بأنهم لا يستطيعون العودة إلى بيوتهم بأمان.
وفي 28 سبتمبر، نقلت «وفا» أن مستوطنين مسلحين هاجموا منازل فلسطينية واعتدوا على سكان في منطقة وادي قبّون ببلدة حلحول شمال الخليل، بينما أُقيم حاجز عند مدخل البلدة. وهذه رواية وكالة فلسطينية، وهي جديرة بالتمييز عن التقارير الأخرى وعدم عرضها بوصفها تحقيقاً قضائياً مستقلاً. ومع ذلك، فإن تقرير الأمم المتحدة الأوسع يرصد اتساعاً في حوادث الاعتداء على المدنيين وممتلكاتهم، ويشير إلى أن آثارها تشمل النزوح وتعطل الوصول إلى العمل والمدارس والخدمات.
وتعكس الأرقام اليومية جانباً من صورة أكثر اتساعاً: ففي الأسبوع الأول من سبتمبر، سجل تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية مقتل ستة فلسطينيين وإصابة 31 فلسطينياً ومستوطن إسرائيلي واحد في أحداث الضفة الغربية، كما أشار إلى تهجير 61 فلسطينياً بسبب عمليات الهدم. وذكر التقرير أن قيود الحركة أثرت في الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والمياه. هذه الأرقام تتعلق بفترة ومناطق محددة، ولا ينبغي الخلط بينها وبين الحصائل الإجمالية السنوية.
العنف الذي يطال المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين
إن توثيق معاناة الفلسطينيين لا يلغي ما تعرض له المدنيون الإسرائيليون في هجوم 7 أكتوبر 2023، ولا الخوف الذي تعيشه الأسر التي فقدت أقارب أو أُخذ أفراد منها رهائن. كما أفادت رويترز بأن الجيش الإسرائيلي قال إن أربعة من جنوده قُتلوا في غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وفي الضفة الغربية، أوردت رويترز في 7 سبتمبر واقعتين منفصلتين: مقتل فلسطيني خلال اشتباك أعقب دخول مستوطنين إلى قرية، ومقتل فلسطيني آخر بعد طعنه مستوطناً إسرائيلياً وإصابة الأخير بجروح خطيرة، وفق ما أعلنته السلطات الإسرائيلية والطبية.
ويستدعي هذا السياق التمييز بين المسؤوليات والأطراف. فحماس جماعة مسلحة فلسطينية، وليست مرادفاً للشعب الفلسطيني؛ والحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي لا يمثلان كل الإسرائيليين. استهداف المدنيين أو أخذهم رهائن أو مهاجمتهم بسبب هويتهم أفعال خطيرة، ولا تصبح مقبولة بسبب هوية مرتكبيها أو الغاية التي يعلنونها. كذلك فإن وقوع ضحايا مدنيين في هجوم عسكري لا يكفي وحده لإصدار حكم قانوني نهائي بشأن جريمة بعينها؛ فذلك يتطلب فحص الأدلة والنية والظروف، وفق القانون الدولي.
اتفاق متعثر وأسئلة بلا إجابات
في اجتماع مجلس الأمن يوم 28 سبتمبر، حذرت الأمم المتحدة من أن العنف والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يهددان فرص قيام دولة فلسطينية، فيما بقيت خطة وقف إطلاق النار في غزة متعثرة. وذكر التقرير الأممي أن نحو 94 في المئة من سكان غزة يحتاجون إلى مساعدة في مجال المأوى. كما دعا مسؤولون دوليون إلى إدخال المساعدات، وحماية المدنيين، ومواصلة المساعي السياسية. لكن المواقف بشأن الخطوات المطلوبة لتحقيق السلام ظلت متباينة، بما فيها قضايا نزع سلاح حماس، وانسحاب إسرائيل، وترتيبات إدارة القطاع.
وهنا يكمن جوهر المأزق: الهدنة التي لا تمنع مقتل المدنيين أو تضمن وصول الإغاثة لا تمنح السكان شعوراً حقيقياً بالأمان. والإدانة وحدها لا تعيد عائلة إلى منزل احترق، ولا توفر الماء لمن فقد مصدره، ولا تعالج جريحاً في مستشفى يفتقر إلى الإمدادات. وفي المقابل، لا يمكن بناء تسوية دائمة مع استمرار الهجمات على المدنيين أو بقاء الرهائن والمعتقلين والملفات الأمنية من دون حل مقبول.
خاتمة
تكشف أخبار نهاية سبتمبر 2026 عن مسارين متوازيين: ضربات مستمرة في غزة رغم وقف إطلاق النار، وعنف متصاعد في الضفة الغربية يهدد البيوت والمزارع وحرية الحركة. وبين المسارين، تتفاقم أزمة المدنيين ويظل تنفيذ الاتفاق السياسي متعثراً. ولا تكفي متابعة عدد الهجمات وحده لفهم ما يجري؛ فالمهم أيضاً معرفة من أعلن الأرقام، ومتى نُشرت، وما إذا كانت مؤكدة بصورة مستقلة.
ويبقى المعيار الإنساني واضحاً: حماية المدنيين، ووقف الهجمات عليهم، وإتاحة المساعدات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بعد تحقيق مستقل. أما الطريق السياسي، فيحتاج إلى أكثر من إعلان هدنة؛ يحتاج إلى تنفيذ فعلي يوقف العنف ويمنح الفلسطينيين والإسرائيليين أملاً واقعياً في حياة آمنة ومستقبل أقل خوفاً.
المصادر
- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية — تقرير الوضع الإنساني، 11 سبتمبر 2026
- أخبار الأمم المتحدة — إحاطة مجلس الأمن بشأن الضفة الغربية وغزة، 28 سبتمبر 2026
- وفا — إصابة فلسطينيين في غارة شرقي مدينة غزة، 30 سبتمبر 2026
- وفا — مقتل امرأة وإصابة آخرين في غارة على منزل يؤوي نازحين، 28 سبتمبر 2026
- رويترز — مقتل قائد بارز في حماس بضربة في غزة، 29 سبتمبر 2026
- رويترز — هجوم مستوطنين على قرية جالود وتعذر عودة عائلة إلى منزلها، 29 سبتمبر 2026
- رويترز — قتلى في ضربات بغزة ومواقف إسرائيل وحماس من خروقات الهدنة، 23 سبتمبر 2026





تعليقات
إرسال تعليق