السلم بين الجذور
على طرف أرضٍ واسعة تشقّها مجاري الأنهار الموسمية، كانت تقوم قرية صغيرة اسمها **وادي السدر**. وفي وسطها بئر حجري عميق، اعتاد الناس أن يجدوا فيه ماءً صافياً حتى في أشدّ أيام الجفاف. لكن ذلك العام، مرّت أسابيع طويلة من دون مطر. انخفض الماء في البئر، وجفّ المجرى الذي يمرّ قرب الحقول. أخذ أهل القرية يقتصدون في كل قطرة، وصارت الأشجار الصغيرة تذبل عند أطراف البساتين. كانت أمينة، فتاة في الخامسة عشرة، تساعد جدّتها صفية في جلب الماء. وفي صباحٍ حار، أنزلتا الدلو إلى البئر، فارتطم بالقاع من دون أن يلامس الماء. قالت أمينة بقلق: «لم يحدث هذا من قبل.» أجابت جدّتها وهي تنظر إلى شجرة الباوباب العظيمة القريبة: «البئر لم ينسَ الماء. لكنه ينتظر أن نسمع ما يقوله الهواء.» لم تفهم أمينة كلامها. فأخرجت صفية من صندوق قديم مزماراً صغيراً من الخشب، وقالت إن أمينة تستطيع الاحتفاظ به. كان المزمار لوالدتها، التي كانت تعزف عليه عند تنظيف القنوات الحجرية القديمة بعد موسم المطر. في تلك الليلة، استيقظت أمينة على صوت صفيرٍ خافت. لم يأتِ الصوت من نافذة بيتها، بل من جهة الباوباب. أخذت المزمار والمصباح، وخرجت وحدها. عند جذع الشجرة، لاحظت أن التراب يتحرك بين الجذور. أزاحت بعض الحصى، فظهر ممر ضيق ينحدر إلى الأسفل. نزلت بحذر، خطوة بعد خطوة، حتى وصلت إلى غرفة تحت الأرض، جدرانها من الحجر والطين. تناثرت فيها جرار قديمة، وفي آخرها تجمّع ضوء خافت كالغبار تحت شعاع الشمس.
تشكّل الضوء ببطء على هيئة إنسانٍ طويل، لكن ملامحه كانت ضبابية، كأنها مرسومة من الريح والرمل. قال: «أنا روح الريح التي تحمل الغيوم إلى الوادي.» رفعت أمينة مصباحها، وحاولت ألا تُظهر خوفها. «لماذا توقفت الأمطار؟» أجابها الصوت: «لم أوقفها. الطريق الذي كانت تسلكه المياه أُغلق. حين كانت القناة القديمة مفتوحة، كانت الرياح تعرف أين تستقرّ الغيوم. أما الآن، فقد امتلأت القناة بالطين والحجارة، وانقطع مجراها عند القرية.» فكرت أمينة في الحقول الجافة، وفي البئر الذي صار فارغاً. ثم سألت: «هل أستطيع أن أعيد الطريق؟» قالت روح الريح: «لا يستطيع شخص واحد أن يفتحه. هذه القناة بناها أهل القرية معاً، ولا يعيدها إلا أهل القرية معاً.» ### الصوت الذي جمع الناس عادت أمينة إلى البيوت قبل الفجر، وأخبرت جدّتها بما رأت. لم تضحك صفية ولم تشكّك في كلامها. أخرجت من الصندوق قطعة حجر صغيرة منقوشة بخطوط متعرجة. قالت: «هذه علامة القناة. كان أجدادنا يضعون حجراً كهذا عند كل منعطف. لكننا توقفنا عن البحث عنها منذ أجيال.» مع شروق الشمس، جمعت أمينة أهل القرية عند شجرة الباوباب. في البداية، لم يصدّقها الجميع. لكن صفية وقفت إلى جانبها، وأرتهم الحجر المنقوش. عندها تذكّر بعض كبار السنّ قصص القناة، وذكروا أنها تمرّ تحت حافة البستان القديم. بدأ أهل القرية يحفرون هناك. عمل الكبار والصغار معاً؛ أزالوا الطين، ونقلوا الحجارة، حتى ظهر صفٌّ من الأحجار القديمة. لم تكن المهمة سهلة، لكنهم واصلوا العمل طوال النهار. وعند الغروب، وجدوا فم القناة مسدوداً بكتلة كبيرة من التراب المتصلّب. أمينة تلتقي روح الريح تحت الأرض.**
أدخلوا عتلاتهم تحت الكتلة، لكنّها لم تتحرك. أخرجت أمينة مزمار أمها. تذكرت الكلمات التي قالتها جدّتها: «لا تطلبي من الريح ما لم تمنحيها طريقاً.» رفعت المزمار إلى شفتيها وعزفت لحناً بسيطاً تعلمته في طفولتها. لم يكن اللحن قوياً، لكنه حمله الهواء من فم القناة إلى عمق الأرض. اهتزّت الحجارة. ثم انشقّ التراب المتصلّب، وسقطت كتلته جانباً. خرج من القناة نفسٌ بارد، تبعه صوت ماءٍ بعيد يجري تحت الأرض. تغيّر الهواء فوقهم. حملت الريح غباراً خفيفاً نحو السهل، ثم ظهرت غيوم داكنة عند الأفق. لم تنزل عاصفة عنيفة، بل بدأ مطر هادئ يطرق سقوف البيوت وأوراق الأشجار. عاد أهل القرية إلى البئر، وسمعوا الماء يتجمع في أعماقه. أما أمينة، فرأت عند جذع الباوباب خيطاً من الضباب يرتفع مع النسيم، ثم يتلاشى في السماء. — أمينة وأهل القرية بعد عودة المطر.
منذ ذلك اليوم، لم يترك أهل وادي السدر القناة تُنسى مرة أخرى. كانوا ينظفونها معاً قبل موسم المطر، ويتقاسمون الماء بعدله. وكانت أمينة تعزف على مزمارها أحياناً، لا كي تأمر الريح، بل لتذكّر أهل القرية بأن أقوى سحرٍ لا يعمل وحده: يحتاج دائماً إلى أيدٍ تتعاون، وطريقٍ يُترك مفتوحاً.