في مساء صيفي من عام 1960، كان شوارع روما القديمة تستعد لاستقبال عدائي الماراثون الأولمبي. كانت الأضواء تنعكس على الحجارة العتيقة، والجمهور ينتظر رؤية أسماء معروفة من أوروبا وأمريكا. وبين المتنافسين ظهر عداء إثيوبي لم يكن معظم المشاهدين يعرفون اسمه. لم يكن يرتدي حذاءً رياضيًا، بل ركض حافي القدمين فوق الطرقات المرصوفة بالحجارة، محافظًا على إيقاع ثابت حتى قطع خط النهاية أولًا. كان ذلك العداء هو أبيبي بيكيلا. لم تكن قصته مجرد حكاية عن رجل جرى حافيًا، بل قصة شاب نشأ في قرية إثيوبية، اكتشف موهبته خلال خدمته العسكرية، ثم خرج من بلاده ليقدم للعالم صورة جديدة عن رياضيي شرق أفريقيا. وبعد أربع سنوات، عاد إلى الألعاب الأولمبية وفاز بالماراثون مرة أخرى، وهذه المرة بحذاء، ليصبح أول عداء يفوز بذهبيتين أولمبيتين متتاليتين في سباق الماراثون.
شاب إثيوبي يتدرب على طريق ترابي في مرتفعات إثيوبيا خلال خمسينيات القرن العشرين من قرية جبلية إلى أديس أبابا وُلد أبيبي بيكيلا في 7 أغسطس عام 1932 في قرية جاتو، في منطقة جبلية بإثيوبيا. نشأ في بيئة ريفية، وعمل في طفولته راعيًا للماشية. لم تكن الرياضة المنظمة جزءًا من حياته المبكرة، ولم يكن في قريته مسار رسمي للجري أو مدربون يكتشفون المواهب كما يحدث في الأندية الحديثة. في سن المراهقة، ذهب إلى أديس أبابا، عاصمة إثيوبيا، وهناك رأى أفراد الحرس الإمبراطوري يتدربون. أثار المشهد اهتمامه، فالتحق بالحرس الإمبراطوري وهو في التاسعة عشرة من عمره. كان التدريب البدني جزءًا من الحياة العسكرية، وبدأ بيكيلا يشارك في الجري لمسافات مختلفة. سرعان ما لاحظ من حوله أنه يمتلك قدرة طبيعية على التحمل، وأنه يستطيع الحفاظ على سرعته لمسافات طويلة. في البداية لم يكن اختصاصه الماراثون وحده. شارك في سباقات أطول وأقصر، وبدأ اسمه يلفت الانتباه داخل إثيوبيا. لكن التحول المهم جاء عندما لاحظ المدرب السويدي أوني نيسكانن موهبته. كان نيسكانن يعمل في تطوير ألعاب القوى في إثيوبيا، وساعد بيكيلا على الانتقال من جري يعتمد على القدرة الفطرية إلى تدريب منظم يتضمن المسافات الطويلة والسرعة والانضباط. قبل دورة روما بوقت قصير، فاز بيكيلا بسباق الماراثون التجريبي في أديس أبابا. وكان السباق على ارتفاع يزيد على ألفين وأربعمئة متر فوق سطح البحر، وهي بيئة تتطلب جهدًا كبيرًا من العدائين. حقق زمنًا قويًا، وحجز مكانه في الفريق الإثيوبي المتجه إلى إيطاليا. لم يكن معروفًا عالميًا، ولم يكن قد خاض كثيرًا من المنافسات الدولية، لكنه حصل على فرصة ستغير حياته. روما 1960: قرار الحذاء الذي صنع التاريخ وصل الفريق الإثيوبي إلى روما وهو يحمل طموحًا كبيرًا، لكن بيكيلا لم يكن نجمًا تتسابق الصحف على مقابلته. كان مرشحًا جديدًا في منافسة تضم عدائين أقوياء، من بينهم المغربي عبد السلام الراضي بن عبد السلام، الذي أصبح خصمه الأبرز خلال السباق. لم يكن الركض حافيًا خطة دعائية أعدها بيكيلا لإبهار الجمهور. وفق الروايات التاريخية، لم يتوفر له حذاء مناسب لمقاسه ضمن الأحذية التي جُربت له، كما أن الحذاء الذي استخدمه في التدريب لم يكن مريحًا. عندها اختار أن يركض بالطريقة التي اعتادها في بلاده، حافي القدمين. كان القرار عمليًا بالنسبة إليه، لكنه تحول لاحقًا إلى الصورة الأشهر في ذاكرة الألعاب الأولمبية. أقيم السباق في حرارة روما، لذلك انطلق في وقت متأخر من بعد الظهر، وانتهى بعد غروب الشمس. لم يكن الماراثون يجري داخل ملعب فقط، بل مر عبر شوارع ومعالم تاريخية، وأنهى العداؤون السباق قرب قوس قسطنطين. كانت أضواء الطريق والمشاعل تضيف مشهدًا دراميًا، لكنها لم تجعل السباق أسهل؛ فقد احتاج كل عداء إلى معرفة متى يحافظ على طاقته ومتى يسرع. في بداية السباق، بقي بيكيلا قريبًا من المتصدرين من دون أن يندفع مبكرًا. ومع تقدم المسافة، تقلص عدد العدائين القادرين على مجاراته. تشكلت منافسة مباشرة بينه وبين الراضي المغربي، وأصبح كل منهما يراقب الآخر. لم يكن هناك كلام بينهما؛ كان الإيقاع والموقع على الطريق هما اللغة الوحيدة.
عداء إثيوبي حافي القدمين يركض في ماراثون روما الأولمبي عام 1960 مع اقتراب النهاية، زاد بيكيلا سرعته وابتعد عن منافسه. وعندما وصل إلى خط النهاية قرب قوس قسطنطين، سجل زمنًا قدره ساعتان وخمس عشرة دقيقة وست عشرة ثانية، محققًا رقمًا قياسيًا أولمبيًا وعالميًا بحسب سجلات ذلك الوقت. أصبح أول إثيوبي يفوز بميدالية أولمبية، وأول عداء من أفريقيا جنوب الصحراء يحرز ذهبية الماراثون الأولمبي. لم يكن الانتصار شخصيًا فقط. فقد وقعت الألعاب بعد سنوات قليلة من انتهاء الاحتلال الإيطالي لإثيوبيا، وأصبحت صورة عداء إثيوبي يركض منتصرًا في شوارع روما محملة بمعنى يتجاوز الرياضة. لم يكن بيكيلا بحاجة إلى خطاب سياسي؛ فالفوز نفسه لفت أنظار العالم إلى إثيوبيا وإلى رياضيي القارة الأفريقية. بعد الذهب: شهرة ومسؤولية جديدة عاد بيكيلا إلى إثيوبيا بصفته بطلًا أولمبيًا، لكن الشهرة لم تغير طبيعته الهادئة. استمر في التدريب والمنافسة، وأصبح مثالًا للشباب الذين رأوا أن الرياضي الإثيوبي يستطيع الوقوف على منصة العالم. لم يكن طريقه مفروشًا بالامتيازات؛ فقد جاء من قرية ريفية، وتدرب في ظروف تختلف عن مراكز التدريب الأوروبية الحديثة، واعتمد على الانضباط والقدرة على التحمل. بين عامي 1960 و1966، شارك في عدد من سباقات الماراثون الدولية، وحقق انتصارات كثيرة. كان من أبرز منافساته الماراثون الذي أقيم في بوسطن عام 1963، حيث أنهى السباق في المركز الخامس، وهي هزيمة لم تمح إنجازاته لكنها أظهرت أن الرياضة لا تمنح البطل الفوز في كل مرة. كان بيكيلا يتعامل مع السباقات باعتبارها منافسة تحتاج إلى استعداد وظروف مناسبة، لا باعتبارها استعراضًا دائمًا للانتصار. ظل السؤال قائمًا: هل يستطيع أن يكرر إنجازه الأولمبي؟ كانت الإجابة ستأتي في طوكيو عام 1964، بعد أن واجه ظرفًا صحيًا غير متوقع قبل انطلاق الدورة. طوكيو 1964: عودة بعد عملية جراحية قبل أولمبياد طوكيو، خضع بيكيلا لعملية جراحية لاستئصال الزائدة الدودية. كانت العملية قبل السباق بنحو أربعين يومًا، وهي مدة قصيرة جدًا للتعافي والاستعداد لماراثون أولمبي. شكك بعض المراقبين في قدرته على المشاركة، لكن بيكيلا أصر على الذهاب إلى اليابان ومحاولة الدفاع عن لقبه. هذه المرة ارتدى حذاءً. لم يكن الركض حافيًا هو سر تفوقه، بل كان تفصيلًا مرتبطًا بظروف روما. في طوكيو، ركض بالحذاء، وأظهر أن صورته ليست مرتبطة بحركة واحدة أو لقطة استثنائية. كان السر في سنوات التدريب، وفي معرفته بقدراته، وفي قدرته على تنظيم جهده خلال مسافة طويلة. بدأ السباق وسط منافسة قوية، لكن بيكيلا لم يتصرف كمن يريد إثبات شيء للجمهور في أول كيلومتر. حافظ على إيقاعه، ثم تقدم تدريجيًا. وفي نهاية السباق، عبر خط النهاية بزمن ساعتين واثنتي عشرة دقيقة وإحدى عشرة ثانية، محققًا رقمًا قياسيًا جديدًا. أصبح أول عداء في التاريخ يفوز بماراثون الألعاب الأولمبية مرتين متتاليتين.
أبيبي بيكيلا يعبر خط النهاية في ماراثون أولمبياد طوكيو عام 1964 بعد نهاية السباق، لم ينهَر بيكيلا من الإرهاق كما قد يتوقع المشاهد. أدى تمارين التمدد، ثم تحرك في الملعب بهدوء. كانت هذه التفاصيل دليلًا على مستوى لياقته، لكنها لم تكن تعني أن الماراثون سهل أو أن جسده لا يتعب. لقد أمضى سنوات في التدريب، وكان يعرف كيف يدير جهده ويستعيد أنفاسه بعد الوصول. أثبت فوزه الثاني أن انتصار روما لم يكن مصادفة ولا مجرد حكاية الحافي القدمين. لقد كان عداءً استثنائيًا، قادرًا على التكيف مع ظروف مختلفة والفوز أمام منافسين من بلدان تمتلك تقاليد رياضية عريقة. وفتح نجاحه الباب أمام أجيال من العدائين الإثيوبيين والشرق أفريقيين، الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز نجوم سباقات المسافات الطويلة. مكسيكو سيتي والحلم الثالث بعد طوكيو، واصل بيكيلا المنافسة، لكنه تعرض لإصابة أثرت في استعداداته. دخل أولمبياد مكسيكو سيتي عام 1968 وهو يأمل في تحقيق ذهبية ثالثة، وهو إنجاز كان سيجعله واحدًا من أعظم عدائي الماراثون في التاريخ. إلا أن سباق المكسيك أقيم على ارتفاع عالٍ، وكانت الظروف قاسية حتى على الرياضيين الأصحاء. لم يتمكن بيكيلا من إكمال السباق، واضطر إلى الانسحاب بعد نحو سبعة عشر كيلومترًا بسبب الإصابة. كانت لحظة صعبة لبطل اعتاد أن يصل إلى النهاية، لكن الانسحاب لم يكن دليلًا على ضعف الإرادة. أحيانًا يكون التوقف هو القرار الذي يحمي الرياضي من إصابة أشد، ولا يمكن إجبار الجسد على مواصلة السباق عندما لا يعود قادرًا على ذلك. غادر الألعاب من دون ميدالية ثالثة، لكن سجلّه ظل استثنائيًا. لقد فاز مرتين متتاليتين، وحطم الأرقام القياسية، وأظهر أن رياضيًا من إثيوبيا يستطيع قيادة الماراثون العالمي. لم يكن عليه أن يفوز في كل دورة كي يبقى بطلًا؛ ما فعله في روما وطوكيو كان كافيًا ليغير تاريخ اللعبة. حادث غيّر حياته في مارس 1969، تعرض بيكيلا لحادث سيارة في إثيوبيا. أصيب إصابات خطيرة في الرقبة والعمود الفقري، وأصبح مشلولًا من أسفل الرقبة لفترة، وهي إصابة أنهت مسيرته كعداء محترف. انتقل إلى بريطانيا لتلقي العلاج والتأهيل في مركز متخصص، وكان عليه أن يتعلم كيف يتعامل مع واقع جديد بعد أن قضى سنوات يعتمد فيها على قوة ساقيه. لم يكن التحول سهلًا. الشخص الذي عرفه العالم وهو يركض لمسافة 42 كيلومترًا أصبح يحتاج إلى رعاية وتأهيل، كما خسر مصدرًا كبيرًا من هويته اليومية. ومع ذلك، حاول أن يبني حياة تتجاوز الرياضة التي عرفها. شارك في أنشطة رياضية لذوي الإعاقة، واهتم برياضات مثل الرماية والرياضات التي يمكن ممارستها من الكرسي المتحرك.
بطل إثيوبي في سنواته الأخيرة يشارك في الحياة بعد إصابته لا ينبغي أن تتحول هذه المرحلة إلى حكاية مبسطة عن «الإرادة التي تهزم كل شيء». الإعاقة والإصابة واقعان يحتاجان إلى دعم طبي واجتماعي، ولا يختفي أثرهما بمجرد التفكير الإيجابي. لكن استمرار بيكيلا في المشاركة والتواصل مع الرياضة بعد الحادث يوضح أنه لم يسمح للناس أن يختصروا حياته في خسارة قدرته على الجري. في 25 أكتوبر 1973، توفي بيكيلا في أديس أبابا عن عمر واحد وأربعين عامًا، نتيجة نزيف دماغي مرتبط بمضاعفات الحادث. نُظمت له مراسم وداع رسمية، وحزن عليه كثيرون في إثيوبيا وخارجها. انتهت حياته مبكرًا، لكن إنجازاته الرياضية بقيت جزءًا من الذاكرة الأولمبية. إرثه في إثيوبيا وأفريقيا كان انتصار بيكيلا في روما علامة فارقة لرياضة ألعاب القوى في إثيوبيا. لم يكن مجرد أول إثيوبي يفوز بذهبية أولمبية، بل كان من أوائل من جعلوا العالم ينظر إلى شرق أفريقيا باعتبارها مركزًا للعدائين أصحاب القدرة على التحمل. وبعده، ظهر عداؤون إثيوبيون وكينيون وأوغنديون حققوا إنجازات كبرى في الماراثون وسباقات المسافات الطويلة. لم يخلق بيكيلا وحده كل هذا التقليد الرياضي، فهناك عوامل متعددة أسهمت في نجاح العدائين في المنطقة، منها الارتفاعات الجغرافية، وثقافة الجري، وبرامج التدريب، والجهود الفردية. لكن إنجازه منح الشباب مثالًا ملموسًا: رياضي من قرية إثيوبية يستطيع أن يواجه أفضل عدائي العالم ويفوز. بقيت صورة الرجل الحافي في روما أكثر الصور تداولًا، لكنها قد تحجب جانبًا آخر من قصته: التدريب الطويل، والعمل اليومي، والهدوء، والقدرة على العودة بعد العملية الجراحية، ثم التعامل مع إصابة غيرت حياته. لم يكن بيكيلا «معجزة» ظهرت فجأة، بل رياضيًا صنعته الممارسة والفرصة والانضباط. الخاتمة: أبعد من حكاية الركض حافيًا تبدأ قصة أبيبي بيكيلا في قرية ريفية إثيوبية، وتمر بالحرس الإمبراطوري والتدريب المنظم، ثم تصل إلى طريق حجري في روما حيث ركض حافيًا وفاز بذهبية لم تكن بلاده قد حققتها من قبل. وبعد أربع سنوات، عاد إلى منصة التتويج في طوكيو، هذه المرة بحذاء، ليؤكد أن إنجازه الأول كان ثمرة موهبة وعمل لا مصادفة غريبة. ثم جاءت الإصابة التي أنهت مسيرته الرياضية، لكنها لم تمحُ أثره. عاش بعد الحادث سنوات صعبة، وتوفي شابًا، لكنه ترك إرثًا تجاوز الأرقام القياسية. لقد جعل العالم يرى عداءً إثيوبيًا في قلب الألعاب الأولمبية، ومهد الطريق لنجوم جاءوا بعده. لهذا لا تختصر قصة بيكيلا في سؤال: لماذا ركض حافيًا؟ الأهم هو ما فعله بعد أن وصل إلى خط النهاية، وكيف عاد بعد عملية جراحية، وكيف ألهم جيلًا كاملًا. كانت قدماه الحافيتان تفصيلًا لافتًا في ليلة تاريخية، لكن إرثه الحقيقي كان في فتح الطريق أمام رياضة أفريقية لتأخذ مكانها على المسرح العالمي. مصادر مقترحة للقراءة: الموقع الأولمبي الرسمي، الاتحاد الدولي لألعاب القوى، موسوعة بريتانيكا، وسجلات دورة الألعاب الأولمبية في روما 1960 وطوكيو 1964. تختلف بعض الروايات في تفاصيل طفولته وصياغة قصة الحذاء، لذلك يركز المقال على الوقائع المتفق عليها في المصادر الرياضية والتاريخية