وانغاري ماثاي: المرأة التي زرعت الأشجار وغيرت كينيا
Hikayat Story
في قرى كينيا، لم تكن إزالة الأشجار خبرًا بعيدًا يقرأه الناس في صحيفة. كانت تعني مسافة أطول تمشيها النساء بحثًا عن الحطب، وتربة أقل قدرة على الاحتفاظ بالماء، ومزارع تنتج غذاءً أقل. وسط هذه التغيرات، بدأت امرأة كينية تسأل سؤالًا بسيطًا: ماذا لو زرع الناس الأشجار بأنفسهم، واعتنوا بها، واستعادوا جزءًا مما خسرته الأرض؟
كانت تلك المرأة وانغاري ماثاي، عالمة أحياء وناشطة من كينيا. لم تبدأ حركتها بخطاب سياسي كبير أو مؤسسة ضخمة، بل بمشاتل صغيرة تديرها النساء وبشتلات تُغرس في القرى. ومع السنوات، تحولت الفكرة إلى حركة بيئية واسعة، ثم إلى صوت يدافع عن حقوق الناس والمساحات العامة والحكم المسؤول. وفي عام 2004، أصبحت أول امرأة أفريقية تفوز بجائزة نوبل للسلام.
طفولة بين جبال كينيا وأرضها
وُلدت وانغاري ماثاي عام 1940 في منطقة نييري الريفية بوسط كينيا، عند سفوح جبل كينيا. نشأت في مجتمع زراعي يعتمد الناس فيه على الأرض والمطر والأنهار الصغيرة. كانت الأشجار جزءًا من الحياة اليومية: تمنح الظل، وتوفر الحطب، وتحمي التربة، وتساعد على بقاء مصادر الماء.
في طفولتها، رأت ماثاي بيئة خضراء وغنية نسبيًا. كانت النساء يجمعن الحطب القريب، وتزرع الأسر الحبوب والخضروات في الأراضي المحيطة بها. لم تكن هذه المشاهد مجرد ذكريات جميلة؛ فقد أصبحت لاحقًا أساسًا لفهمها العلاقة بين البيئة ورفاه الناس. عندما تتدهور الأرض، لا تكون الخسارة نظرية، بل تظهر في الطعام والماء والعمل اليومي.
كانت فرص التعليم للفتيات محدودة في ذلك الوقت، لكن عائلتها شجعتها على الدراسة. تفوقت في المدرسة، ثم أتيحت لها فرصة متابعة تعليمها في الولايات المتحدة ضمن برنامج منح دراسية للطلاب الكينيين. غادرت بلدها وهي شابة، في مرحلة كانت فيها كينيا تقترب من الاستقلال عن الحكم الاستعماري، وعادت بعد سنوات بتعليم علمي متقدم ورؤية جديدة لمستقبل بلدها.
العلم والعمل الأكاديمي
درست ماثاي العلوم البيولوجية في كلية ماونت سانت سكولاستيكا بولاية كانساس، ثم أكملت دراسات عليا في جامعة بيتسبرغ. وبعد ذلك واصلت دراستها في ألمانيا وجامعة نيروبي، وحصلت على الدكتوراه في علم التشريح البيطري عام 1971. كانت أول امرأة في شرق ووسط أفريقيا تحصل على درجة الدكتوراه، وهو إنجاز مهم في منطقة لم تكن النساء فيها يصلن بسهولة إلى المناصب الأكاديمية.
عادت إلى جامعة نيروبي وعملت في التدريس والبحث. تقدمت في مسيرتها الأكاديمية حتى أصبحت رئيسة قسم التشريح البيطري ثم أستاذة مشاركة، وكانت أول امرأة تصل إلى تلك المناصب في منطقتها. واجهت خلال عملها تحديات مرتبطة بكونها امرأة في مؤسسة يهيمن عليها الرجال، لكنها لم تتخل عن المجال العلمي أو عن المشاركة العامة.
لم يكن العلم بالنسبة إليها منفصلًا عن الحياة خارج الجامعة. ففي سبعينيات القرن العشرين، شاركت في منظمات نسائية ومدنية، وتواصلت مع نساء من مناطق مختلفة. كانت تسمع منهن عن المشكلات التي يواجهنها: نقص الحطب، جفاف الينابيع، انجراف التربة، وتراجع المحاصيل. هنا بدأت تتضح لها الصلة بين ما تدرسه عن البيئة وما تعيشه النساء في قراهن.
فكرة صغيرة تكبر: حركة الحزام الأخضر
في عام 1976، طرحت ماثاي فكرة تشجيع النساء على زراعة الأشجار. وفي عام 1977، أطلقت الحركة التي أصبحت تُعرف باسم حركة الحزام الأخضر، بالشراكة مع المجلس الوطني للنساء في كينيا. لم يكن الهدف تجميل القرى فقط، بل معالجة آثار إزالة الغابات وحماية التربة والماء وتحسين حياة المجتمعات المحلية.
كانت طريقة العمل عملية وبسيطة. تتعلم النساء جمع البذور وإنشاء المشاتل، ثم يزرعن الشتلات ويتابعن نموها. وعندما تنجح الشتلات، تحصل المشاركات على مقابل أو دعم بحسب برامج الحركة. بهذه الطريقة لم تكن المرأة متلقية لمساعدة من الخارج، بل صاحبة معرفة ومسؤولية ودخل مرتبط بعملها.
زرع الشجرة قد يبدو فعلًا صغيرًا أمام أسباب إزالة الغابات الكبيرة، لكنه جمع بين احتياجات متعددة. الأشجار تثبت التربة، وتوفر ظلًا ومواد نافعة، وتساعد على استعادة الغطاء النباتي. كما أن إدارة المشتل خلقت مساحة تتبادل فيها النساء الخبرات وتتحدثن عن شؤون مجتمعاتهن، بدل أن يبقى كل بيت يواجه المشكلة وحده.
كانت ماثاي تقول إن البيئة لا تنفصل عن حياة الناس. عندما تختفي الأشجار، يصبح الحصول على الحطب أصعب، وتقل خصوبة الأرض، وتتراجع قدرة الأسر على تأمين غذائها. وإذا عانى الناس من الفقر والحرمان، تصبح حماية الغابات أصعب أيضًا. لذلك لم تكن زراعة الأشجار نشاطًا تجميليًا، بل جزءًا من عمل أوسع لتحسين الحياة وبناء قدرة المجتمعات على الاعتماد على نفسها.
انتشرت الحركة خارج بدايتها الأولى. أنشأت شبكة الحزام الأخضر في منتصف الثمانينيات روابط مع مجموعات في دول أفريقية أخرى، وانتقلت فكرة المشاتل المجتمعية وزراعة الأشجار إلى أماكن متعددة. ومع نموها، ساعدت الحركة على زراعة عشرات الملايين من الأشجار وفق تقديرات مؤسساتها ومصادر جائزة نوبل.
حين تحولت حماية البيئة إلى مواجهة سياسية
لم يكن الدفاع عن الأشجار دائمًا عملًا هادئًا. ففي بعض الحالات، تداخلت مشاريع البناء والاستثمار مع الغابات والحدائق العامة. رأت ماثاي أن بيع الأراضي العامة أو تحويل المساحات الخضراء إلى مشاريع مغلقة لا يضر الأشجار فقط، بل يحرم الناس من أماكن مشتركة ويضعف قدرتهم على مساءلة أصحاب القرار.
في أواخر الثمانينيات، عارضت ماثاي وحركة الحزام الأخضر مشروعًا لإنشاء مجمع تجاري شاهق في حديقة أوهورو بوسط نيروبي. كانت الحديقة مساحة عامة مهمة للمدينة، ورأت الحركة أن تحويل جزء كبير منها إلى مبانٍ خاصة سيحرم السكان من فضاء مفتوح ويضر بالبيئة الحضرية. كتبت ماثاي واعترضت، وتواصلت مع جهات محلية ودولية، وتعرضت حملتها لانتقادات وضغوط.
في نهاية المطاف، تراجع المشروع بعد أن واجه معارضة واسعة واهتمامًا دوليًا. لم يكن ذلك انتصارًا بيئيًا فقط؛ لقد أظهر أن مجموعة من المواطنين تستطيع التأثير في قرار ضخم عندما تنظم نفسها وتشرح ما سيخسره المجتمع. لكنه جعل ماثاي هدفًا للسلطات التي لم تكن ترحب دائمًا بالاحتجاج أو بالنقد العلني.
لم تفصل ماثاي بين حماية الغابة وحماية حقوق الإنسان. كانت ترى أن القرارات التي تمس الأرض تُتخذ أحيانًا من دون استشارة السكان، وأن إسكات الناس يسمح باستمرار الاستغلال. لذلك شاركت في حملات مدنية، ودافعت عن الإصلاح الديمقراطي، ووقفت إلى جانب نساء وأسر تطالب بمعرفة مصير المعتقلين السياسيين.
نساء يطالبن بالعدالة في حديقة أوهورو
في عام 1992، شاركت ماثاي في احتجاجات للأمهات اللاتي طالبن بالإفراج عن أبنائهن المعتقلين لأسباب سياسية. اجتمعت النساء في حديقة أوهورو في نيروبي، في مكان عُرف باسم «ركن الحرية». كان الاحتجاج سلميًا، لكن السلطات تعاملت معه بالقوة، وتعرضت ماثاي وناشطات أخريات للاعتداء والاعتقال.
كانت تلك الحادثة من أكثر اللحظات قسوة في حياتها العامة. لم تكن تتحرك لتخوض معركة شخصية، بل كانت تقف مع أمهات يطالبن بمعرفة مصير أبنائهن وبإطلاق سراحهم. تحولت الحديقة مرة أخرى إلى رمز: مكان عام تستطيع فيه النساء أن يرفعن أصواتهن، حتى عندما تحاول السلطة إسكاتهن.
تعرضت ماثاي في سنوات نشاطها للاعتقال والتهديد والسخرية، كما وُصفت أحيانًا بأنها مصدر إزعاج لأنها لم تتراجع أمام المسؤولين. لكنها واصلت العمل، وبقيت تربط الاحتجاج بالعمل اليومي: زرع شجرة، حماية حديقة، تعليم مجموعة من النساء، أو تقديم عريضة. لم تكن ترى أن النشاط المدني محصور في حدث كبير؛ بل يمكن أن يبدأ من اجتماع صغير في قرية.
ساعدت هذه المواقف على توسيع معنى حركة الحزام الأخضر. بقيت زراعة الأشجار في قلب العمل، لكن الحركة صارت تتحدث عن المشاركة العامة، والشفافية، والعدالة، وحقوق النساء. لم تكن كل هذه القضايا منفصلة عن بعضها: من يملك الأرض؟ من يقرر مصيرها؟ من يتحمل أثر تدهورها؟ ومن يملك الحق في الاعتراض؟
جائزة نوبل ورسالة عالمية
في عام 2004، مُنحت وانغاري ماثاي جائزة نوبل للسلام، لتصبح أول امرأة أفريقية تحصل عليها. أوضحت لجنة نوبل أن عملها يجمع بين التنمية المستدامة والديمقراطية والسلام. كان القرار اعترافًا بأن حماية البيئة يمكن أن تكون جزءًا من بناء السلام، خصوصًا عندما تعالج الأسباب التي تؤدي إلى الفقر والتنافس على الموارد وتهميش المجتمعات.
لم تُمنح الجائزة لشخص زرع الأشجار وحده، بل لسنوات من العمل مع النساء والمجتمعات، وللدفاع عن المشاركة المدنية في ظروف سياسية صعبة. كان في التكريم اعتراف بقيمة العمل المحلي الذي يبدأ من الأرض والقرية، لكنه قادر على الوصول إلى نقاش عالمي حول التنمية والحقوق.
بعد نيل الجائزة، أصبحت ماثاي تتحدث أمام جمهور دولي عن العلاقة بين البيئة والسلام. شرحت أن الصراع على الأرض والماء والموارد قد يغذي التوتر، وأن المجتمعات التي تشارك في إدارة مواردها تكون أقدر على حماية مستقبلها. كما حذرت من أن التنمية التي تدمّر الغابات وتُقصي السكان ليست تقدمًا حقيقيًا، حتى لو جلبت مباني جديدة أو أرباحًا سريعة.
العودة إلى السياسة وخدمة المجتمع
لم تتوقف ماثاي عند المنابر الدولية. عادت إلى العمل السياسي داخل كينيا، وفازت بمقعد في البرلمان عام 2002، ثم شغلت منصب مساعد وزير البيئة والموارد الطبيعية والحياة البرية. كان انتقالها إلى البرلمان امتدادًا لاهتمامها بأن تكون القرارات البيئية جزءًا من سياسات الدولة، لا مجرد نشاط تطوعي على هامشها.
ساعدها حضورها السياسي على مواصلة الدفاع عن الغابات والموارد العامة، لكنه لم يلغِ استقلالها في النقد. ظلت تؤكد أن حماية البيئة تحتاج إلى مؤسسات مسؤولة ومشاركة من السكان، وأن القرارات التي تخص الموارد ينبغي أن تُتخذ لمصلحة الناس على المدى الطويل، لا لمكاسب فورية لفئة محدودة.
في عملها العام، جمعت ماثاي بين أدوار متعددة: عالمة، وأستاذة جامعية، وناشطة، وعضو برلمان، وأم، وكاتبة. لم تكن ترى أن على المرأة اختيار دور واحد فقط. نجاحها الأكاديمي لم يمنعها من العمل المجتمعي، كما أن انخراطها في السياسة لم يجعلها تتخلى عن اهتمامها بالأشجار والنساء في القرى.
ما الذي جعل فكرتها تستمر؟
استمرت حركة الحزام الأخضر لأنها لم تعتمد على شخصية ماثاي وحدها. فقد عملت مع مجموعات محلية، ودربت النساء على إنشاء المشاتل ومتابعة الشتلات، وبنت شبكة من المتطوعات والمنظمات. عندما تكون الفكرة مرتبطة بحاجات المجتمع اليومية، يصبح من الممكن أن تنتقل إلى أماكن جديدة وتتكيف مع ظروف مختلفة.
كما أن الحركة لم تعامل النساء كمتلقيات سلبيات للمساعدة. أعطتهن دورًا مباشرًا في اتخاذ القرار والعمل، وربطت المعرفة البيئية بالخبرة التي تملكها النساء عن الماء والغذاء والحطب والأرض. هذا النهج ساعد على جعل زراعة الأشجار فعلًا اجتماعيًا واقتصاديًا، لا مجرد حملة مؤقتة لتوزيع الشتلات.
توفيت وانغاري ماثاي في 25 سبتمبر 2011 بعد إصابتها بالسرطان، لكنها تركت حركة ومؤسسات وكتبًا ومثالًا سياسيًا. ظل اسمها مرتبطًا بآلاف المجتمعات التي زرعت الأشجار وبالمساحات التي دافعت عنها. لم تكن كل معاركها سهلة أو ناجحة، لكن أثرها لم يعتمد على انتصار واحد؛ كان قائمًا على تراكم سنوات من العمل.
الخاتمة: شجرة تبدأ منها حكاية أكبر
بدأت قصة وانغاري ماثاي من ملاحظة أن غياب الأشجار يغيّر حياة الناس، وبخاصة النساء اللواتي يتحملن عبء جمع الحطب وتأمين الماء والغذاء. تحولت الملاحظة إلى مشاتل صغيرة، ثم إلى حركة زرعت ملايين الأشجار وامتدت إلى قضايا الأرض والحقوق والديمقراطية.
تُظهر قصتها أن التغيير لا يبدأ دائمًا من البرلمان أو من مشروع ضخم. قد يبدأ من شتلة، ومن امرأة تتعلم كيف تعتني بها، ومن مجموعة تتفق على حماية مورد يحتاج إليه الجميع. لكن الفكرة الصغيرة لا تبقى صغيرة إذا وجدت مجتمعًا يؤمن بها، وإذا ربطت بين البيئة وكرامة الإنسان وقدرته على المشاركة في القرارات التي تمس حياته.
لهذا لم تكن جائزة نوبل نهاية القصة، بل محطة اعترفت بها. تركت ماثاي رسالة واضحة: حماية الطبيعة ليست منفصلة عن العدالة، والناس الذين يزرعون الأشجار يستطيعون أيضًا أن يطالبوا بحقوقهم. شجرة واحدة لا تغيّر بلدًا وحدها، لكن ملايين الأشجار التي يزرعها الناس معًا يمكن أن تصبح بداية تحول طويل.
مصادر مقترحة للقراءة: السيرة الرسمية لجائزة نوبل للسلام 2004، الموقع الرسمي لحركة الحزام الأخضر، كتاب وانغاري ماثاي Unbowed: A Memoir، ومواد اليونسكو عن وانغاري ماثاي وتاريخ حركة الحزام الأخضر.




تعليقات
إرسال تعليق