قصة إيرينا سندلر: المرأة التي أنقذت أطفال غيتو وارسو وحفظت أسماءهم في أوعية زجاجية | قصة حقيقية
Hikayat Story
إيرينا سندلر الأخصائية الاجتماعية البولندية في وارسو
في وارسو المحتلة، لم تكن ورقة صغيرة تحمل اسمًا وعنوانًا مجرد سجل إداري. كان من الممكن أن تكون الفارق بين طفل يختفي إلى الأبد وطفل يستطيع، بعد انتهاء الحرب، أن يعرف من يكون. بين عامي 1942 و1944، عملت الأخصائية الاجتماعية البولندية إيرينا سندلر ضمن شبكة سرية ساعدت أطفالًا يهودًا على مغادرة غيتو وارسو، ثم رتبت لهم أماكن للاختباء وهويات جديدة. لم تكن تعمل وحدها، ولم تكن تملك طريقة تضمن النجاة؛ كانت تعتمد على شبكة من المتعاونين، وعلى قرارات عائلات عرفت أن كل خيار أمامها ينطوي على خطر.
مدينة مقسومة بجدار
ولدت إيرينا سندلر، واسمها عند الولادة إيرينا كشيجانوفسكا، في وارسو عام 1910. وعندما غزت ألمانيا النازية بولندا في سبتمبر 1939، كانت تعمل أخصائية اجتماعية في إدارة الرعاية الاجتماعية التابعة لبلدية وارسو. لم تبدأ قصتها بخطة بطولية جاهزة؛ بدأت بعمل يومي بين الفقر والمرض والحاجة، ثم وجدت نفسها أمام نظام احتلال حوّل الجيران إلى جماعات تفصل بينها الحواجز والقوانين والعقوبات.
في خريف 1940، فرضت سلطات الاحتلال إنشاء غيتو لليهود في العاصمة، وأُغلق الحي المسوّر في نوفمبر. أُجبر أكثر من أربعمئة ألف إنسان على العيش في مساحة صغيرة مكتظة، مع نقص شديد في الطعام والدواء وسوء في الظروف الصحية. لم يكن الجدار حدًا عمرانيًا فحسب؛ كان أداة لعزل السكان، وتجريدهم من حرية الحركة، وإحكام السيطرة على حياتهم اليومية.
كانت سندلر تعرف أن عملها الاجتماعي لا يمكن أن يتوقف عند حدود الجدار. وبفضل وظيفتها، حصلت على تصريح يسمح لها بدخول الغيتو لتفقد الأوضاع الصحية. استغلت هذا الدخول لإيصال المساعدة والتواصل مع ناشطين يهود، فيما كان كل انتقال من جانب إلى آخر يعرّضها للمراقبة والعقاب. ومع الوقت، انتقلت من تقديم الإغاثة إلى المساعدة في إخراج أشخاص من المكان الذي صار سجناً مفتوحاً.
أطفال في غيتو وارسو أثناء الحرب العالمية الثانية
في صيف 1942، بدأت عمليات ترحيل واسعة من غيتو وارسو إلى مركز القتل في تريبلينكا. خلال أسابيع، اقتيد مئات الآلاف من السكان إلى محطة التجميع، ثم أُرسلوا في قطارات الترحيل. كان الأطفال في أشد المواقف هشاشة: بعضهم فقد والديه، وبعضهم بقي مع عائلة لم تعد تملك ما يكفي من الطعام، وآخرون واجهوا خطر الانفصال في أي لحظة.
في تلك الظروف، لم يكن إخراج طفل من الغيتو قرارًا بسيطًا يمكن اتخاذه نيابة عن أسرة مطمئنة. كان على الوالدين أن يوازنا بين احتمال أن يبقى الطفل معهم واحتمال أن يُقتلوا جميعًا، وبين إرساله إلى خارج الجدار مع احتمال ألا يروه مجددًا. لم تقدّم سندلر ورفاقها ضمانات مستحيلة؛ كانوا يحاولون خلق فرصة للنجاة، مع إدراكهم أن الأسرة قد لا تملك فرصة أخرى للاختيار.
كانت مساعدة الأطفال تتطلب أكثر من عبور نقطة تفتيش. كان لكل طفل اسم يهودي وملامح قد تلفت الانتباه، وللوصول إلى مكان آمن احتاج إلى هوية جديدة وشخص بالغ يقبله، وإلى مأوى يمكن أن يخفيه، وإلى طعام وملابس ورعاية. وكان على من يقدّم المأوى أن يعرف أن اكتشاف الطفل قد يعرّضه هو وأسرته لعقوبة قاسية.
شبكة من الأسماء والبيوت
أصبحت سندلر من الناشطات الرئيسيات في «جغوتا»، وهو الاسم الحركي للمجلس السري لمساعدة اليهود الذي أُنشئ في بولندا المحتلة أواخر عام 1942. لم تكن المنظمة شخصًا واحدًا ولا مجموعة صغيرة تنفذ مهمة واحدة؛ كانت شبكة تساعد المحتاجين إلى الاختباء عبر توفير أماكن آمنة، ووثائق مزورة، ومال، ورعاية طبية. وكان إنقاذ طفل يعني بناء مسار كامل من أشخاص وموارد، لا مجرد إخراجه من الغيتو.
في سبتمبر 1943، عُيّنت سندلر مديرةً لقسم رعاية الأطفال اليهود في جغوتا. استخدمت صلاتها بدور الأيتام ومؤسسات رعاية الأطفال والراهبات، لتأمين أماكن لهم خارج الحي. استقبلت بعض المؤسسات أطفالًا تحت أسماء مسيحية ووثائق جديدة، فيما أخفى آخرون أطفالًا في بيوت خاصة. كانت هذه الأماكن متباعدة، لأن جمع الأطفال في موقع واحد كان سيجعل اكتشافهم أسهل ويهددهم جميعًا دفعة واحدة.
لم يكن لكل طفل الطريق نفسه. تشير الروايات التاريخية إلى استخدام وسائل مختلفة بحسب العمر والظروف والرقابة: بعض الأطفال خرجوا مع بالغين يحملون وثائق، وبعضهم أُخرجوا عبر مسارات مرتبطة بالمؤسسات الصحية أو الرعاية. أما الرضع، فكانوا يحتاجون إلى احتياطات أشد، لأن بكاءهم أو اختلاف ملامحهم قد يكشفهم. الأهم أن كل عبور كان يعتمد على تواطؤ عدة أشخاص، وكل منهم يتحمل جزءًا من الخطر.
خارج الجدار، لم تنتهِ المهمة. كان على المتعاونين أن يشرحوا للطفل الاسم الجديد الذي سيستخدمه، وأن يعلّموه ما يقوله إذا سأله أحد عن عائلته، وأن يحموا له هويته الأصلية من النسيان. وكان الأطفال الأكبر سنًا يفهمون أحيانًا أن عليهم إخفاء اللغة أو العادات التي تربطهم بأسرهم. أما الأصغر، فقد لا يعرفون لماذا ابتعدوا عن والديهم أصلًا.
دفن السجلات المشفّرة لأسماء الأطفال المُنقذين داخل أوعية زجاجية
من أكثر جوانب عمل الشبكة دلالةً محاولة الاحتفاظ بمعلومات عن هوية الأطفال وأماكن إيوائهم. عُرفت سندلر بأنها ساعدت على حفظ سجلات مشفّرة للأسماء والعناوين، حتى يمكن في المستقبل إعادة الأطفال إلى أقاربهم إن بقي أحد منهم على قيد الحياة. لم تكن القوائم ضمانًا للقاء، لكنها قاومت فكرة أن يتحول الطفل إلى اسم مستعار بلا ماضٍ أو أن تُمحى صلته بأسرته إلى الأبد.
تشتهر القصة في بعض الروايات بحكاية أوراق أخفيت في أوعية زجاجية ودُفنت. لكن جوهر الأمر الذي تؤكده الشهادات والمصادر المؤسسية هو وجود سجلات مشفّرة وعمل سري لحماية المعلومات. ومن الأفضل التعامل بحذر مع التفاصيل التي تتناقلها القصص الشعبية، وعدم تحويل رمز الوعاء إلى حقيقة وحيدة تختصر شبكة واسعة، أو إلى دليل على أن كل طفل أُنقذ بالطريقة نفسها.
أما الرقم الأكثر تداولًا، وهو نحو 2500 طفل، فيحتاج إلى صياغة دقيقة. تذكر روايات ومؤسسات عدة هذا الرقم عند الحديث عن جهود سندلر وشبكة الإنقاذ، لكن ياد فاشيم يوضح أن العدد الدقيق للأطفال الذين أنقذتهم سندلر وشركاؤها غير معروف، فيما يصف متحف ذكرى الهولوكوست بالولايات المتحدة مساعدتها بأنها شملت مئات الأطفال. لذلك لا يصح تقديم الرقم وكأن امرأة واحدة أخرجت وحدها 2500 طفل؛ كان العمل جماعيًا، والسجلات الباقية لا تمنح يقينًا كاملًا.
الاعتقال والعودة إلى العمل
في 20 أكتوبر 1943، اعتقلت الشرطة السرية الألمانية، الغيستابو، سندلر. كان الخطر على الشبكة واضحًا: لو كشفت عناوين الأطفال أو أسماء من يساعدونهم، فقد تصل الاعتقالات إلى بيوت الإيواء والوسطاء. وتقول رواية ياد فاشيم إنها تمكنت من إخفاء معلومات حساسة، بما في ذلك العناوين المشفّرة للأطفال، قبل أن تقع تلك المواد في أيدي المحققين.
تعرضت سندلر للتعذيب، ثم حُكم عليها بالإعدام وأُرسلت إلى سجن بياوك. لم يكن إنقاذها أمرًا مضمونًا؛ تدخل ناشطون من جغوتا ورشوا مسؤولين حتى أُطلق سراحها في فبراير 1944. خرجت باسم وهوية مختلفين، لكنها لم تتوقف عن نشاطها السري. عاشت متخفية، مع علمها أن السلطات تراقبها، واستمرت في مساعدة من بقي محتاجًا إلى الحماية.
هنا تظهر حدود الصورة الأسطورية التي تجعل الشجاعة غيابًا للخوف. سندلر كانت تعرف ما قد يحدث لها، وعاشت تحت ضغط الاعتقال والتهديد، واضطرت إلى الاختفاء عن محيطها. وتذكر ياد فاشيم أن ظروف حياتها السرية منعتها حتى من حضور جنازة أمها. ليست هذه تفصيلة جانبية؛ إنها تذكير بأن العمل الذي أنقذ آخرين انتزع منها حياة عادية وعلاقات شخصية أيضًا.
بعد انتهاء الحرب
انتهت الحرب في أوروبا عام 1945، لكن عودة الأطفال إلى أسرهم لم تكن سهلة. فقد قُتل كثير من الأقارب، وتفرقت العائلات، وتغيرت الأسماء والبلدان، كما أن بعض الأطفال كانوا قد عاشوا سنواتهم الأولى داخل أسر بديلة. حاولت سندلر ورفاقها استخدام ما حفظوه من سجلات لمساعدة الأطفال على معرفة أصولهم، إلا أن العثور على قريب حي لم يكن ممكنًا في حالات كثيرة.
وكانت هناك معضلة إنسانية مؤلمة: هل يُخبر الطفل بحقيقته، ومتى، ومن يحق له اتخاذ القرار؟ بعض الأطفال اعتادوا الاسم الجديد والبيت الذي ربّاهم، وبعض من أنقذوهم أحبّوهم كما لو كانوا أبناءهم. في المقابل، كان لكل طفل تاريخ وعائلة وثقافة حُرم منها بالقوة. لم تُنهِ الوثيقة المخبأة تلك الصراعات، لكنها أبقت احتمال معرفة الحقيقة قائمًا.
عاشت سندلر بعد الحرب في بولندا، وظل عملها في إنقاذ اليهود أقل حضورًا في الذاكرة العامة مما صار عليه لاحقًا. كانت السياسة في بولندا بعد الحرب معقدة، كما أن كثيرًا ممن شاركوا في المقاومة أو في المساعدة السرية لم يرووا تجاربهم على نطاق واسع. ولذا لم تتحول قصتها فورًا إلى سيرة مشهورة يعرفها الناس في بلدان كثيرة.
تكريم إيرينا سندلر بلقب الصالحين بين الأمم
في 19 أكتوبر 1965، اعترف ياد فاشيم بإيرينا سندلر واحدةً من «الصالحين بين الأمم»، وهو تكريم يمنح لمن خاطروا بحياتهم لإنقاذ يهود خلال المحرقة. وبعد عقود، عادت قصتها إلى الاهتمام العالمي؛ وفي مطلع الألفية، ساعد مشروع تاريخي بدأته طالبات في ولاية كانساس الأمريكية على تعريف جمهور جديد بسيرتها. توفيت سندلر في وارسو عام 2008 عن عمر ناهز 98 عامًا.
يستحق هذا الاعتراف أن يُذكر، لكنه لا ينبغي أن يجعل القصة حكاية بطلة منفردة تنجز كل شيء. وراء كل طفل خرج من الغيتو كان هناك والد أو أم اتخذ قرارًا لا يُحتمل، وشخص ساعده على العبور، وأسرة أو مؤسسة قبلت إخفاءه، وشبكة وفرت الوثائق والمال والطعام. كما كان هناك أطفال يهود حاولوا النجاة في ظروف لم يكن لهم يد في صنعها.
تمنحنا قصة سندلر نافذة على معنى المقاومة في زمن لم تكن فيه المقاومة دائمًا مواجهة مسلحة. أحيانًا كانت في دخول حي محاصر بحجة تفقد الصحة، أو في توفير اسم بديل، أو في فتح باب بيت، أو في الاحتفاظ بورقة مشفّرة عندما يطالب الخوف بإتلافها. لم تكن تلك الأفعال قادرة على وقف آلة الاضطهاد، لكنها أنقذت حياة أشخاص محددين ومنعت عائلات من الاختفاء بلا أثر.
ولعل أهم ما يميز هذه القصة أنها لا تقدم الشجاعة كقرار واحد كبير، بل كسلسلة من القرارات الصغيرة المتكررة: أن تعود إلى الغيتو، وأن تبحث عن مأوى، وأن تثق بشخص آخر، وأن تحمي أسماء الأطفال، ثم أن تواصل العمل بعد الاعتقال. لم تكن سندلر تعرف كيف ستنتهي الحرب، ولا من سيبقى حيًا؛ لكنها تصرفت في اللحظة التي كان فيها طفل ما يحتاج إلى فرصة.
اليوم، عندما نتذكر إيرينا سندلر، من المهم أن نتذكر معها أسماء من لا نعرفها: الأطفال الذين أعيدوا إلى أقاربهم، والذين لم يجدوهم، والذين عاشوا بأسماء جديدة، وكذلك الأشخاص الذين خاطروا ببيوتهم لمساعدتهم. فالتاريخ لا يُقاس فقط بمن نالوا التكريم، بل أيضًا بمن تُركت أسماؤهم في سجلات ناقصة، وبالقرارات التي منحتهم فرصة للعيش.
وهكذا، لم تكن أوراق الأسماء مجرد وسيلة لتنظيم عملية سرية. كانت وعدًا بأن الهوية لا ينبغي أن تُمحى حتى عندما يفرض المحتل اسمًا جديدًا، وأن الطفل سيظل إنسانًا له عائلة وتاريخ، لا رقمًا في سجل. لم تستطع سندلر إعادة كل ما سُلب من الأطفال، لكنها ساعدت كثيرين على عبور لحظة الخطر، وحاولت أن تترك لهم طريقًا للعودة إلى الحقيقة.
مراجع مختارة
ياد فاشيم: إيرينا سندلر، بولندا
متحف ذكرى الهولوكوست بالولايات المتحدة: إيرينا سندلر (1910–2008)
موسوعة الهولوكوست: شهادة إيرينا سندلر عن الاعتقال والتعذيب
موسوعة الهولوكوست: غيتو وارسو
المؤسسة الوطنية للعلوم الإنسانية: إيرينا سندلر وفتيات كانساس



تعليقات
إرسال تعليق