في صيف عام 1940، لم يكن الرجل الذي يقف خلف مكتب القنصلية اليابانية في مدينة كاوناس الليتوانية قائدًا عسكريًا ولا صاحب نفوذ سياسي واسع. كان دبلوماسيًا يؤدي عمله في بلد صغير، بعيد عن اليابان، وسط حرب تتسع رقعتها يومًا بعد يوم. لكن أشخاصًا كثيرين سيذكرون اسمه لاحقًا بوصفه الرجل الذي ساعدهم على الفرار من أوروبا: تشيوني سوجيهارا. لم يكن سوجيهارا قادرًا على إيقاف الجيوش، أو فتح الحدود بقرار واحد، أو ضمان مستقبل آمن لكل من قصده. ما كان يملكه هو ختم رسمي، ومعرفة بإجراءات السفر، وقدرة على إصدار تأشيرات عبور إلى اليابان. في وقت كانت فيه الأبواب تُغلق أمام اللاجئين، تحولت هذه الأوراق إلى جزء من طريق نجاة طويل، محفوف بالمخاطر، لكنه أتاح لآلاف الأشخاص فرصة لم تكن متاحة لهم من قبل. هذه ليست حكاية قرار بسيط أنهى الخطر في لحظة، ولا قصة بطل وحيد صنع كل شيء بمفرده. إنها قصة لاجئين بحثوا عن ممر، ودبلوماسي هولندي ساعدهم بأوراق عبور، وموظف ياباني اختار أن يتعامل مع حاجة الناس قبل أن يكتفي بتطبيق الشروط حرفيًا
أوروبا تضيق على الهاربين بدأت القصة قبل وصول سوجيهارا إلى ليتوانيا بسنوات. ففي عام 1939 اندلعت الحرب العالمية الثانية مع اجتياح ألمانيا النازية لبولندا. هرب كثير من اليهود البولنديين شرقًا، آملين أن يجدوا مكانًا أكثر أمانًا. كانت ليتوانيا، ومن بينها مدينة كاوناس، محطة مؤقتة لبعضهم؛ لكن المحطة المؤقتة سرعان ما أصبحت مكانًا آخر يواجهون فيه الخوف وعدم اليقين. في يونيو 1940 دخلت القوات السوفيتية ليتوانيا وفرضت سيطرتها عليها. ومع تغيّر السلطة واشتداد الاعتقالات والاضطراب السياسي، بدأ اللاجئون يدركون أن البقاء لم يعد خيارًا آمنًا. وفي الوقت نفسه كانت الحرب قد غيّرت خريطة أوروبا، فأصبحت طرق الفرار غربًا أكثر صعوبة، بينما بدت طرق الشرق، عبر الاتحاد السوفيتي ثم اليابان، من المسارات القليلة الممكنة لبعض العائلات. لم يكن الخطر فكرة بعيدة بالنسبة إلى هؤلاء الناس. كانوا يعيشون بانتظار خبر جديد عن إغلاق حدود، أو قرار يُبطل أوراق سفرهم، أو اعتقال يفصلهم عن أسرهم. لم يكن السؤال فقط: إلى أين نذهب؟ بل أيضًا: هل سنتمكن من مغادرة المكان قبل أن يصبح الخروج مستحيلًا؟ دبلوماسي يعرف الطريق إلى الشرق وُلد سوجيهارا في اليابان عام 1900، وتعلّم الروسية وأتقنها بعد سنوات قضاها في منشوريا. ساعدته معرفته باللغة والخبرة التي اكتسبها في المنطقة على دخول السلك الدبلوماسي، ثم أُرسل إلى ليتوانيا عام 1939. لم يكن عمله هناك إنسانيًا في الأصل؛ فقد كانت وظيفته الرسمية مرتبطة بمراقبة التطورات السياسية والعسكرية في منطقة البلطيق، ورفع المعلومات إلى بلاده. لكن موقعه جعله قريبًا من أحداث تتجاوز التقارير الرسمية. كانت كاوناس تعجّ باللاجئين الذين يبحثون عن تأشيرات تتيح لهم مواصلة السفر. كانوا يعرفون أن اليابان قد تكون محطة عبور، لا الوجهة النهائية، وأن الوصول إليها يتطلب عبور أراضٍ وحدود متعددة. وكان كل جزء من الرحلة يحتاج إلى موافقة جديدة، ومال، ووثائق، وشيء من الحظ. في هذه الظروف، لم تكن تأشيرة العبور اليابانية وعدًا بوصول مضمون إلى مكان آمن، لكنها كانت حلقة ضرورية في سلسلة الطريق. وقد رأى سوجيهارا أمامه أشخاصًا يحتاجون إلى هذه الحلقة، بينما كانت الإجراءات الرسمية تجعل الحصول عليها أمرًا شديد الصعوبة بالنسبة إلى كثيرين منهم. أوراق من قنصليتين لم يصنع سوجيهارا طريق الهرب وحده. كان إلى جانبه في كاوناس الدبلوماسي الهولندي جان زفارتندايك، القائم بأعمال القنصلية الهولندية. ساعد زفارتندايك بعض اللاجئين على الحصول على وثائق تشير إلى وجهة في منطقة كوراساو، وهي إحدى ممتلكات هولندا في الكاريبي. لم تكن تلك الأوراق تضمن وصول حاملها إلى الجزيرة، لكنها ساعدت في تقديم وجهة يمكن استخدامها ضمن ترتيبات السفر. بعد ذلك احتاج كثير من اللاجئين إلى تأشيرة يابانية تسمح لهم بالعبور عبر اليابان. هنا ظهر دور سوجيهارا. فتأشيرة العبور اليابانية لم تكن نهاية الرحلة، بل إذنًا بمتابعة الطريق عبر الاتحاد السوفيتي إلى اليابان، ثم محاولة الانتقال إلى بلد آخر يقبلهم. لقد احتاجت العملية إلى تعاون ومثابرة، لا إلى ورقة واحدة فقط.
كان اللاجئون يأتون إلى القنصلية حاملين ما يملكون من وثائق، ويسألون إن كان بإمكانهم الحصول على التأشيرة. بعضهم كان شابًا أو طالبًا، وبعضهم جاء مع والديه أو أطفاله. وراء كل طلب قصة مختلفة، لكن الحاجة كانت واحدة: الحصول على وقت إضافي وممر قانوني لمغادرة منطقة الخطر. بين التعليمات والضمير كانت تعليمات وزارة الخارجية اليابانية تضع شروطًا على إصدار تأشيرات العبور. كان ينبغي للمتقدمين، بحسب التعليمات، أن يكونوا قد أتموا إجراءات الدخول إلى وجهتهم النهائية وأن يملكوا ما يكفي من المال لتغطية الرحلة والإقامة في اليابان. لكن كثيرًا من اللاجئين لم يستطيعوا استيفاء تلك الشروط؛ فالوجهة التالية لم تكن قد وافقت عليهم بعد، والمال الذي يحتاجونه لم يكن متاحًا. وجد سوجيهارا نفسه أمام تعارض عملي واضح. إذا التزم بالشروط كما هي، فلن يحصل كثير من الناس الواقفين أمام القنصلية على الأوراق التي يحتاجون إليها. وإذا أصدر التأشيرات لمن لا يستوفون جميع المتطلبات، فإنه يعرّض نفسه للمساءلة ويغامر بمستقبله المهني. لم يكن يعرف يقينًا ما سيحدث لكل عائلة بعد مغادرتها كاوناس، لكنه كان يرى أن رفضها يعني حرمانها من فرصة محاولة الهرب. لا تحتاج القرارات الأخلاقية دائمًا إلى خطبة طويلة. أحيانًا تظهر في سؤال يومي ومباشر: هل أطبق الإجراء كما هو، حتى عندما أرى أن نتيجته ستغلق الطريق أمام أشخاص مهددين؟ أم أستخدم الصلاحية المتاحة لي لمساعدتهم، مع علمي بأن ذلك قد يكلّفني شيئًا؟ في تلك الأيام، اختار سوجيهارا أن يصدر التأشيرات لأشخاص لم يحققوا الشروط المعتادة، مستندًا إلى أن حاجتهم إلى الفرار لا يمكن تأجيلها. كتابة التأشيرات يومًا بعد يوم بدأ إصدار التأشيرات خلال صيف عام 1940، واستمر حتى نهاية أغسطس، عندما أُغلقت القنصلية اليابانية في كاوناس. تشير قائمة الأسماء الباقية إلى 2140 اسمًا. لكن العدد الكلي للأشخاص الذين استفادوا من التأشيرات يُعتقد أنه كان بالآلاف، لأن التأشيرة الواحدة كانت تشمل أحيانًا أفراد الأسرة مع صاحب الطلب، ولأن بعض التأشيرات لم تُسجّل في القائمة المتبقية. لم تكن الأرقام وحدها ما جعل العملية صعبة. كان لكل طلب تفاصيله، وكان لا بد من كتابة البيانات وإتمام الأوراق، فيما كان الوقت يضيق واللاجئون ينتظرون أخبارًا عن تغيّر الأوضاع. كان إصدار التأشيرات عملًا متكررًا يتطلب ساعات طويلة، لا قرارًا رمزيًا يُتخذ مرة واحدة ثم ينتهي أثره. ومع ذلك، ينبغي أن نروي القصة بدقة. فالتأشيرة لم تكن ضمانًا تلقائيًا للنجاة، وسوجيهارا لم يكن وحده في سلسلة المساعدة، كما أن العدد الدقيق للناجين غير محسوم تمامًا. ما نستطيع قوله بثقة هو أن الوثائق التي أصدرها كانت عنصرًا أساسيًا في طريق سفر استخدمه لاجئون تمكنوا من مغادرة ليتوانيا والوصول إلى اليابان ثم متابعة رحلتهم إلى أماكن أخرى.
رحلة طويلة عبر سيبيريا والبحر بعد الحصول على الوثائق، لم يكن اللاجئون يركبون طائرة مباشرة إلى حياة مستقرة. كان عليهم أولًا التحرك عبر أراضٍ تخضع لسيطرة الاتحاد السوفيتي، باستخدام تصاريح عبور ووسائل نقل متاحة آنذاك. سافر كثيرون عبر خط السكك الحديدية العابر لسيبيريا، في رحلة طويلة امتدت عبر مساحة شاسعة، وصولًا إلى موانئ يابانية. كانت اليابان بالنسبة إلى كثيرين محطة في الطريق، لا نهاية له. احتاج بعض اللاجئين إلى إيجاد وجهة أخرى، وإلى تأشيرات جديدة، وضمانات أو مساعدة من مجتمعات وأشخاص خارج بلادهم. غادر بعضهم لاحقًا إلى الولايات المتحدة أو كندا أو أماكن أخرى، بينما واجه آخرون تعقيدات إضافية. وما كان يبدو على الورق طريقًا واضحًا تحوّل في الواقع إلى سلسلة من الرحلات والانتظار والقرارات الجديدة. تظهر أهمية تأشيرة سوجيهارا هنا في أنها فتحت بابًا، لا أنها ألغت كل الأبواب المغلقة. كثيرًا ما تُختصر قصص الإنقاذ في مشهد واحد: موظف يوقّع، وعائلة تنجو. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. كانت هناك حدود، وسكك حديدية، وموانئ، وسلطات مختلفة، وعائلات اضطرت إلى مواصلة البحث عن بلد يقبلها. ومع ذلك، إذا لم يحصل بعضهم على وثيقة العبور في كاوناس، لربما لم يكن لديهم أصلًا طريق يمكنهم تجربته. نهاية القنصلية وبداية فصل جديد في نهاية أغسطس 1940 أُغلقت القنصلية في كاوناس، وانتهت فترة إصدار التأشيرات هناك. تشير المصادر التاريخية إلى أن سوجيهارا واصل التعامل مع بعض الحالات حتى إغلاق المكتب، وأن اللاجئين استمروا في متابعة رحلتهم بعد ذلك. لم تكن القنصلية قادرة على أن تبقى مفتوحة إلى الأبد، ولم يكن في وسع موظفيها ضمان أن كل من حصل على تأشيرة سيصل إلى وجهته. عاد سوجيهارا في نهاية الحرب إلى اليابان بعد سنوات قضاها خارجها. أمضى هو وعائلته فترة في الاحتجاز لدى السلطات السوفيتية، قبل أن يرجعوا إلى بلاده عام 1947. وبعد عودته أُحيل إلى التقاعد من وزارة الخارجية، في سياق تقليص واسع للموظفين بعد الحرب. من الأفضل عدم اختزال هذا الجزء في رواية جازمة تقول إنه عوقب مباشرة بسبب إصدار التأشيرات؛ فالمصادر التاريخية تذكر تقليصًا أوسع في الوزارة، ولا تبرر وحدها هذا الاستنتاج المباشر. عمل سوجيهارا في وظائف مختلفة بعد تركه السلك الدبلوماسي، وعاش سنوات بعيدًا عن الشهرة التي ارتبطت به لاحقًا. لم تتحول تجربته فورًا إلى قصة يعرفها العالم كله. فالأشخاص الذين نجوا كانوا هم من حملوا ذكريات تلك الرحلة معهم، ومن بينهم من سعى لاحقًا إلى العثور على الرجل الذي منحهم وثائق ساعدتهم على العبور. الاعتراف بعد سنوات في عام 1984 كرّمت مؤسسة ياد فاشيم سوجيهارا بلقب «الصالح بين الأمم»، وهو لقب يُمنح لغير اليهود الذين خاطروا لمساعدة اليهود خلال المحرقة. وأُقيمت مراسم التكريم في القدس في يناير 1985. جاء الاعتراف بعد عقود من أحداث كاوناس، وبعد أن صار بعض الناجين قادرين على رواية ما حدث لهم وعلى توثيق أثر التأشيرات في رحلتهم. لم يكن التكريم هو ما جعل القرار مهمًا، لكنه ساعد في حفظ القصة من النسيان. فالوثائق والأسماء والشهادات تبيّن أن وراء العبارة العامة «أنقذ آلاف الأشخاص» عائلات حقيقية وأفرادًا عاشوا تجارب مختلفة. كانت هناك أم تحاول حماية أطفالها، وشاب يريد النجاة من الاعتقال، وعائلة تبحث عن طريق لا تعرف نهايته. إن تذكّر هؤلاء يجعل القصة أكثر من حكاية عن شخصية مشهورة؛ يعيدها إلى البشر الذين احتاجوا للمساعدة. ومن المهم أيضًا ألا ننسب كل الفضل إلى شخص واحد. فقد كان زفارتندايك، والدبلوماسيون والموظفون الذين ساعدوا في المراحل التالية، والجهات التي سمحت لبعض اللاجئين بالمرور أو الدخول، جزءًا من المسار. إن إبراز دور سوجيهارا لا يتطلب محو أدوار الآخرين؛ بل يجعل الصورة أوضح: أحيانًا تنجح عملية إنقاذ لأن أشخاصًا مختلفين يؤدون أدوارًا صغيرة متتابعة، ويمنع كل واحد منهم الطريق من الانقطاع في مرحلته.
ما الذي بقي من الحكاية؟ تتجاوز قصة سوجيهارا السؤال عما إذا كان موظف واحد يستطيع تغيير مجرى التاريخ. هو لم يوقف الحرب، ولم يغيّر سياسات الدول، ولم يستطع حماية كل من طلب المساعدة. لكنه استخدم سلطته المحدودة في لحظة لم يكن فيها القرار الإداري أمرًا مجردًا. كانت وراء كل طلب عائلة تبحث عن مخرج، وكانت الأوراق التي يوقّعها قادرة على تحويل ذلك البحث إلى رحلة ممكنة. وتذكّرنا القصة أيضًا بأن البطولة ليست دائمًا عملًا صاخبًا أو قرارًا يراه العالم في وقته. أحيانًا تكون وظيفة روتينية، ومكتبًا مزدحمًا، وطلبات كثيرة لا تنتهي، ثم قرارًا بالاستمرار عندما يزداد الضغط. لم يعرف سوجيهارا ما إذا كان سيُكافأ على ما يفعل، ولم يكن لديه ضمان بأن كل تأشيرة ستؤدي إلى نجاة. لكنه أدرك أن عدم إصدارها سيحرم كثيرين من فرصة المحاولة. لهذا بقي اسمه مرتبطًا بالتأشيرات التي حملها الناس معهم في طريقهم إلى الأمان. لم تكن تلك الأوراق نهاية القصة، لكنها كانت بداية فصل جديد لعائلات استطاعت أن تغادر، وتعبر، وتبحث عن مكان تعيش فيه. وفي زمن كانت فيه الحدود تُغلق بسرعة، صار توقيع دبلوماسي واحد جزءًا من طريق طويل نحو النجاة.